بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على انزلاق السودان إلى الحرب الأهلية، يسعى رئيس أركان الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان إلى إجراء حوار وطني واسع النطاق يهدف إلى إعادة بناء المؤسسات السياسية في البلاد ووضع الأسس لانتقال مدني.
قد تبدأ المحادثات في وقت مبكر من شهر أغسطس، حيث تشمل المشاورات التحضيرية بالفعل جماعات سياسية، وخبراء تقنيين، وقادة صوفيين، وسلطات تقليدية، وأكاديميين، ومهنيين، وممثلين عن المجتمع المدني، وشخصيات مستقلة.
ومن المتوقع أن يركز الحوار المقترح على ثلاث قضايا رئيسية: إنهاء الحرب، وتحديد الهيكل المستقبلي للدولة السودانية، والاتفاق على ترتيبات لفترة انتقالية.
بالنسبة للبرهان والقوات المسلحة السودانية، تمثل هذه المبادرة محاولة لنقل البلاد من المواجهة في ساحة المعركة إلى عملية سياسية تتمحور حول مؤسسات الدولة المعترف بها.
يأتي ذلك بعد أن استعاد الجيش الخرطوم ومناطق مهمة من وسط السودان، مما أدى إلى تغيير التوازن العسكري بعد سنوات من القتال مع قوات الدعم السريع شبه العسكرية.
يكمن التحدي الآن في ما إذا كان من الممكن ترجمة تلك المكاسب إلى إطار سياسي واسع بما يكفي لإعادة توحيد البلاد واستعادة الحكم المدني.
أعلن البرهان لأول مرة عن خطط لإجراء حوار داخلي شامل في مايو، قائلاً إن السودانيين أنفسهم يجب أن يحددوا مبادئ إعادة الإعمار والحكم والانتقال الديمقراطي المدني النهائي للبلاد.
وتعكس هذه المبادرة موقفاً طرحته قيادة الجيش مراراً وتكراراً: وهو أن مستقبل السودان السياسي يجب أن يُحدد من خلال المؤسسات الوطنية بدلاً من الجماعات المسلحة التي تُنشئ هياكل موازية.
وبالتالي، ليس من المتوقع أن تشارك منظمة دعم اللاجئين وتحالفها التأسيسي السوداني، المعروف باسم تاسيس، في الحوار.
كما استبعد البرهان حزب المؤتمر الوطني الذي ينتمي إليه الرئيس السابق عمر البشير، مما يشير إلى أن الإطار السياسي المقترح لا يهدف إلى إعادة النظام السابق ولا إلى الاعتراف بالإدارة المدعومة من قبل قوات الدعم السريع.
يُعد هذا التمييز جوهرياً في نهج القوات المسلحة السنغافورية. إذ تتم دعوة الأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني وحركات المعارضة المدنية للعودة إلى العملية السياسية، بينما تُعامل المنظمات التي تحتفظ بهياكل مسلحة منفصلة أو إدارات منافسة على أنها قضية أمنية وليست سياسية.
بدأت الحرب في السودان في أبريل 2023 في أعقاب صراع على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بما في ذلك الخلافات حول دمج القوات شبه العسكرية في جيش وطني موحد خلال فترة الانتقال المتعثرة للبلاد إلى الحكم المدني.
أدى الصراع إلى تدمير الخرطوم، وتشريد الملايين، وامتد إلى مناطق متعددة.
منذ استعادة العاصمة ومناطق أخرى، سعى الجيش إلى إعادة بناء المؤسسات الحكومية وتقديم الدولة التي تسيطر عليها القوات المسلحة السنغافورية كأساس يمكن بناء تسوية سياسية وطنية عليه.
يبدو أن الحوار المخطط له أوسع نطاقاً من اجتماع الأحزاب السياسية التقليدية في السودان.
من المتوقع أن تشارك أو يتم التواصل مع جماعات المجتمع المدني ولجان المقاومة وزعماء القبائل وشخصيات صوفية وأكاديميين ومهنيين وخبراء تقنيين وشخصيات مستقلة.
قد يساعد ذلك في إنعاش الساحة السياسية المدنية التي تشرذمت بشدة بسبب الحرب.
كانت لجان المقاومة والمنظمات المهنية محورية في الانتفاضة التي أطاحت بالبشير في عام 2019، بينما يحتفظ القادة التقليديون وقادة المجتمع بنفوذهم في المناطق التي يكون فيها للأحزاب السياسية الرسمية نفوذ محدود.
إن إشراك تلك الدوائر الانتخابية في عملية مشتركة من شأنه أن يسمح بتوسيع نطاق المناقشات حول مستقبل السودان لتتجاوز الصراع العسكري بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
ويبدو أن قيادة القوات المسلحة السنغافورية تدرك أيضاً أن جماعات المعارضة ستطلب ضمانات قبل الانضمام.
وتشمل التدابير قيد المناقشة، بحسب التقارير، مراجعة القضايا الجنائية والإجراءات الإدارية التي تؤثر على الشخصيات السياسية والحد من الحملات الإعلامية العدائية ضد المعارضين المدنيين.
كما تم مناقشة إنشاء لجنة تحضيرية مستقلة مسؤولة عن تحديد المشاركين وجدول الأعمال ومكان وتوقيت المحادثات.
قد تثبت هذه الآلية أهميتها في إقناع الحركات المدنية المتشككة بأن الحوار يهدف إلى إنتاج إطار عمل تفاوضي بدلاً من مجرد تأييد الترتيبات التي يحددها الجيش.
ويمكن أن يوفر ذلك أيضاً منتدى منظماً للخلافات حول مدة المرحلة الانتقالية، وتكوين المؤسسات الحاكمة، والدور الدستوري المستقبلي للجيش.
من المتوقع أن يتناول الحوار دراسة البنية المستقبلية للسودان نفسه.
لقد كشفت عقود من الصراع عن مظالم عميقة بشأن تركز السلطة السياسية والاقتصادية في الخرطوم وتهميش مناطق مثل دارفور وكردفان.
وبالتالي، يمكن أن تتناول المحادثات قضايا الفيدرالية، والتمثيل الإقليمي، والترتيبات الدستورية، وتوزيع الموارد والسلطة السياسية.
ستكون هذه الأسئلة حاسمة إذا كان من المقرر أن تؤدي المكاسب الإقليمية للجيش إلى أكثر من مجرد استعادة الوضع السابق للحرب.
إن التوصل إلى تسوية دائمة سيتطلب مؤسسات قادرة على إقناع المجتمعات خارج المركز بأن لها مصلحة حقيقية في الحكومة الوطنية.
إن قرار البرهان بإشراك السلطات القبلية وممثلي المجتمع والشخصيات المدنية من خارج الأحزاب السياسية التقليدية قد يساعد في إدخال تلك المخاوف مباشرة في الحوار.
وقد صرّح البرهان مراراً وتكراراً بأن الحكومة الديمقراطية المدنية لا تزال هي الهدف المنشود.
لكن لكي يكتسب هذا الالتزام المصداقية، سيتعين على الحوار أن يقدم إجابات واضحة حول كيفية نقل السلطة ومدة استمرار المرحلة الانتقالية.
سيتعين على المشاركين معالجة تشكيل المؤسسات الانتقالية، وصلاحيات الحكومة المدنية المستقبلية، ودور الجيش خلال الفترة الانتقالية، وخارطة طريق نحو الانتخابات.
سيواجه الجيش أيضاً ضغوطاً لتحديد النقطة التي تنتهي عندها مسؤولياته السياسية في زمن الحرب.
وهنا تبرز أهمية المشاركة المدنية الواسعة.
إن عملية انتقال تتشكل من خلال تحالف متنوع حقيقي من الأحزاب المدنية والمهنيين ولجان المقاومة والممثلين الإقليميين سيكون من الصعب وصفها ببساطة بأنها امتداد للحكم العسكري.
بالنسبة للقوات المسلحة السنغافورية، يمثل الحوار الوطني فرصة واختباراً في آن واحد.
استعاد الجيش العاصمة وأعاد سلطة الحكومة في أجزاء كبيرة من البلاد.
لكن السيطرة العسكرية وحدها لا تستطيع إعادة توحيد السودان أو حل المظالم التي ساهمت في دورات الصراع المتكررة.
إذا استطاع البرهان أن يجمع جماعات المعارضة المدنية ولجان المقاومة والمهنيين وقادة المجتمع والممثلين الإقليميين حول انتقال موثوق، فإن الحوار يمكن أن يبدأ في نقل السودان بعيداً عن حكم الفصائل المسلحة ونحو مؤسسات وطنية فعالة.






