تتجه الأنظار مجدداً إلى مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين المائية للاقتصاد العالمي، وسط تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها أطراف أوروبية بالتعاون مع سلطنة عمان.
وكشفت تقارير صحفية دولية، أبرزها ما أوردته صحيفة “جارديان” البريطانية، عن دراسة مقترحات تتيح فرض “رسوم غير إلزامية” على حركة الملاحة السفن التجارية المارة عبر المضيق، في محاولة لإيجاد صيغة قانونية واقتصادية تضمن استقرار الممر المائي على المدى الطويل وتجنب المنطقة سيناريوهات الصدام العسكري.
كما كشفت صحيفة جارديان البريطانية، عن أن دولا أوروبية تدرس مقترحات قد تتيح فرض رسوم على حركة الملاحة في مضيق هرمز، على أن تكون هذه الرسوم غير إلزامية وتحظى بدعم الوكالة الأممية المعنية بتنظيم النقل البحري.
وقالت الصحيفة إن سلطنة عمان أعدت بالفعل، بالتعاون مع محامين بريطانيين، مقترحا لإدارة المضيق مستوحى من المبادئ المطبّقة في مضيق ملقا، مضيفة أن مسقط عرضت إرسال خبرائها القانونيين إلى طهران لشرح الخطة بالتفصيل.
وأشارت جارديان إلى أن نطاق المبادرة العمانية البديلة قد لا ينسجم مع طموحات إيران، لا سيما الحرس الثوري، في ظل وجود تباين في المواقف داخل طهران بشأن مستقبل إدارة الممر المائي.
ونقلت الصحيفة البريطانية عن دبلوماسي (لم تسمه) قوله إن بعض الأطراف داخل الحرس الثوري ترى أن الولايات المتحدة شنت “هجوما غير مشروع” عليها في فبراير الماضي، متسائلة عن جدوى الالتزام بالقانون الدولي للبحار، في حين تبدي أطراف أخرى استعدادا للتعاون.
وبحسب المصدر ذاته، فإن احتمال تجدد القتال يرتبط بعاملين رئيسيين، يتمثل الأول في الخلاف بشأن السيطرة على مضيق هرمز خلال مرحلة إعادة فتحه، بينما يتعلق الثاني بإدارته على المدى الطويل، بما في ذلك مسألة ما إذا كان نموذج مضيق ملقا يشكّل صيغة مقبولة بالنسبة لإيران.
الخطة العمانية المستوحاة من مضيق “ملقا”
بحسب المعطيات المسربة، فإن سلطنة عمان أعدت بالفعل، بالتعاون مع خبراء ومحامين بريطانيين، مقترحاً شاملاً لإدارة المضيق مستوحى بشكل مباشر من المبادئ القانونية والتنظيمية المطبّقة في “مضيق ملقا” الشهير في جنوب شرق آسيا. وتعتمد الفكرة الأساسية على تقديم خدمات ملاحية وأمنية متطورة للسفن العابرة مقابل رسوم اختيارية (غير إلزامية) تحظى بدعم وتأييد من المنظمة البحرية الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة.
وأبدت مسقط مرونة دبلوماسية عالية؛ حيث عرضت إرسال وفد من خبرائها القانونيين إلى طهران لعرض تفاصيل الخطة وبنودها الفنية، ومحاولة إقناع الجانب الإيراني بأن هذا النموذج يضمن سيادة الدول الشاطئية وفي الوقت نفسه يبدد مخاوف القوى الدولية الكبرى بشأن حرية التجارة.
انقسام داخلي في طهران وموقف “الحرس الثوري”
رغم الزخم الذي يحمله المقترح، إلا أن الدبلوماسية الدولية تصطدم بتباين واضح في المواقف داخل دوائر صنع القرار في طهران.
وتشير المصادر إلى أن نطاق المبادرة العمانية البديلة قد لا ينسجم تماماً مع طموحات إيران الاستراتيجية، لا سيما “الحرس الثوري الإيراني”.
ونقلت التقارير عن مصادر دبلوماسية غربية أن أطرافاً نافذة داخل الحرس الثوري ما زالت ترى أن الولايات المتحدة شنت “هجوماً غير مشروع” على مواقعها ومصالحها في فبراير الماضي، وهو ما يجعلها تتساءل علناً عن جدوى الالتزام بقواعد القانون الدولي للبحار (اتفاقية جامايكا 1982) في وقت لا تحترم فيه واشنطن القوانين الدولية بحسب تعبيرهم.
وفي المقابل، تبدي الجناحات الدبلوماسية والحكومية في طهران استعداداً مبدئياً للتعاون ومناقشة المقترح كأداة لتخفيف العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض عليها.
أبعاد الصراع ومستقبل مضيق هرمز
يرى مراقبون أن احتمالات تجدد القتال أو تثبيت التهدئة في الممرات المائية الحيوية بالشرق الأوسط باتت ترتبط بعاملين رئيسيين:
الخلاف الآني: حول آلية السيطرة العسكرية والأمنية على مضيق هرمز خلال مرحلة إعادة فتحه بالكامل أمام حركة ناقلات النفط العملاقة.
الإدارة بعيدة المدى: وتتمثل في مدى قبول إيران لـ “نموذج مضيق ملقا” كصيغة دولية توافقية لتقاسم العوائد والمسؤوليات الأمنية، بدلاً من فرض السيطرة الأحادية.
تأتي هذه التطورات في وقت شددت فيه القوى الآسيوية الكبرى، وعلى رأسها الصين، على أن استقرار مضيق هرمز يمثل مصلحة قومية عليا، حيث تعتمد بكين بشكل حيوي على تدفقات الطاقة القادمة عبر هذا الممر، مما يجعل نجاح التقرير العماني-الأوروبي محط اختبار حقيقي لمدى قدرة الدبلوماسية على احتواء النزاعات الجيوسياسية المعقدة.


