تبيّن دراسة حديثة للبنك الدولي أن الفجوة في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي أعمق وأكثر تعقيدًا من الفجوة الرقمية التقليدية، فهي لا تقتصر على من يمتلك الوصول إلى الإنترنت بل تتصل بـ الملكية الرقمية، الكلفة، اللغة، البنى المؤسسية، والمهارات.
حللت الدراسة مليارات الزيارات إلى 60 أداة ذكاء اصطناعي توليدي الأكثر استخدامًا حتى منتصف 2025، وطرحت كيف أن الفوارق العميقة في الدخل والموقع الجغرافي واللغة تقصي غالبية سكان العالم من المشاركة الفعالة. ففي الدول ذات الدخل المرتفع استخدم نحو 24 % من مستخدمي الإنترنت ChatGPT، بينما النسبة تقل إلى 5.8 % في الدول متوسطة الدخل الأعلى، و4.7 % في المتوسطة الأدنى، و0.7 % فقط في الدول منخفضة الدخل.
أظهرت الدراسة أيضًا أن الدول الغنية تضاعف حصتها من الاستخدام العالمي، فقد ارتفعت من 55 % إلى حوالي 60 % في عام واحد، بينما تراجعت الدول المتوسطة، وبقيت الدول الفقيرة هامشية. كما بينت أن جودة الإنترنت وانتشاره تعد من العوامل الأساسية التي تحدد استخدام الأدوات؛ الدول التي تمتلك اتصالًا سريعًا ومنخفض الكلفة تشهد استخدامًا مكثفًا، مقابل اقتصادات تفتقر للبنية التحتية المناسبة التي تبقى بعيدة عن المشهد.
لكن الفجوة لا تقتصر على الإمكانات التقنية فقط؛ ففي الدول الغنية، تُدمَج أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات والمدارس وأماكن العمل، مما يحول الاستخدام من أداة استكشاف إلى عنصر إنتاجي يومي. أما في الدول الأضعف، فيقتصر الاستخدام غالبًا على مستخدمين مهرة يقومون بتجريب الأدوات دون تأثير مؤسسي واسع.
أيضًا، تحتكر اقتصادات معدودة إنتاج النماذج اللغوية ومراكز البيانات الضخمة، ما يمنح تلك الدول أفضلية في تصميم الأدوات التي تعمل بكفاءة في لغات وسياقاتها. على سبيل المثال، تحتل أدوات صينية السوق المحلي بنسبة تفوق 90 % في الصين لكونها مصممة بعناية لتلائم اللغة والسياق الصيني، ما يخلق تجزئة رقمية إقليمية. رغم أن ChatGPT يظل استثناءً بانتشاره العالمي وتعدديته اللغوية، لكنه يستحوذ على 77 % من حركة المرور نحو الأدوات الستين الأوائل في أوائل 2025.
حينما نتحدث عن الفقر الرقمي، فإننا كنا نفكر في الأجهزة والأسلاك. اليوم نحن أمام فجوة أعمق هي فجوة في قدرات المستقبل: فمن لا يملك البنى التحتية أو السيطرة على التكنولوجيا أو اللغة لن يشارك في اقتصاد المعرفة القادم، وستتراكم في صالح الدول التي بدأت مبكرًا استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتنمية قدراتها البشرية.
إن الفجوة التوليدية ليست مجرد مسألة تقنية بل مسألة سيادة: من يُطوّر التكنولوجيا ومن يحصر فائدتها داخليًا، ومن يُترجمها لغته ومن يُهملها بتلك اللغة، ومن يُدمجها داخل القطاعات الحيوية ومن يظل مستخدمًا هامشيًا. والفجوة ما بين الاقتصادات القوية والضعيفة اليوم ليست فقط في من يملك الإنترنت، بل في من يبني المستقبل بمفرده.


