– في زحام الذاكرة المثقوبة، تضيع معارك غيّرت وجه التاريخ، وتُدفن انتصارات كبرى تحت ركام الهزائم اللاحقة، حتى يظنّ البعض أن الشرق الإسلامي ظلّ يتراجع منذ اللحظة الأولى لوصول الحملات الصليبية إلى بلاد الشام.
– حين يُقرأ التاريخ بعيدًا عن الرواية الغربية، يكشف أن الأمة التي اهتزّت بسقوط القدس، لم تلبث أن استعادت أنفاسها سريعًا، وأن سيوفها لم تصمت طويلًا.
– كان السابع من مايو عام 1104م، يومًا من أيام الله؛ يومًا تبدّل فيه ميزان القوة، وتغيّر معه مسار الصراع في المشرق الإسلامي.
(حَـرَان أو حَارَان.. مدينة عربية قديمة في بلاد ما بين النهرين، تقع حاليًا جنوب شرق تركيا عند منبع نهر البليخ، أحد روافد نهر الفرات، ذُكرت في التوراة على أنها المدينة التي استقر فيها النبي إبراهيم (عليه السلام) بعد هجرته من أُور.. وسُمّيت عند الرومان باسم (كارهاي)، دخلها المسلمون عام 639م).
– في سهول “حَاران”، حيث عبرت الجيوش والطوائف والإمبراطوريات منذ آلاف السنين، تلقّى الفرنجة أول ضربة إستراتيجية كبرى بعد الحملة الصليبية الأولى؛ ضربةً لم تكن مجرد انتصارٍ عسكريٍّ عابر، بل زلزالًا سياسيًّا ونفسيًّا دوّى صداه في أوروبا والشرق معًا.
– هناك، عند تخوم الجزيرة الفراتية، انكسرت صورة “الجيشوش الصليبية التي لا تُقهر”، وسقط قادة صليبيون كبار في الأسر، بينما بدأت الإمارات الصليبية تدرك أن التوسع السريع الذي تحقق فوق الدماء والمدن المحترقة، يمكن أن يتوقف، بل ويمكن أن ينقلب إلى تراجع واسترداد.
معركة حران وقعت في 10 شعبان 497هـ/ 7 مايو 1104م، بين الجيوش الصليبية والسلاجقة.
– هي أول معركة كبرى ضد الدول الصليبية في أعقاب الحملة الصليبية الأولى، ولذا فهي نقطة التحوّل ضد توسّع الفرنجة.
– كانت معركة حران هي الكارثة التاريخية الكبرى للصليبيين، حيث استرد السلاجقة الأراضي التي كانوا قد فقدوها.
– لقد شكّلت هذه الحرب صدمة كبيرة لأوروبا وللصليبيين، فقد وقع قادة الحملة الصليبية على حَرَان: بلدوين الثاني أمير الرها، وجوسلين أمير تل باشر، في أسر المسلمين، كما أن انتصار المسلمين في هذه المعركة أوقفَ التوسع الصليبي في الأراضي الإسلامية، لسنوات، بالإضافة إلى أنها كانت مصيبة كبيرة لأنطاكيا، حيث نجح السلاجقة المسلمون في استرجاع الأراضي التي سقطت بأيدي الصليبيين عند وصولهم للشرق قبل هذه المعركة بسنوات.
كانت هذه المدينة تابعة لولاية حلب العثمانية، ولسورية، حسب معاهدة سيفر التي أنهت الحرب العالمية الأولى، ولكن معاهدة لوزان عام 1923م، وضعت المدينة مع بقية الأقاليم العربية السورية الشمالية ضمن الحدود التركية)
من أعلام حران:
1- ثابت بن قرة.
2- ابن تيمية.
3- محمد بن جابر بن سنان البتاني.
4- أبو جعفر النفيلي.
5- سنان بن الفتح الحراني، عالم الرياضيات والفلك.
– لم تكن حَرَان مجرد ساحة حرب، بل مدينة تختزن طبقات كثيفة من التاريخ والعلم والنبوة؛ مدينة مرّ بها إبراهيم عليه السلام، وخرج منها علماء غيّروا وجه الحضارة الإسلامية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى شاهد آخر على صراع الأمم وحدود الخرائط وتقلبات السياسة..
في ذلك اليوم، لم ينتصر السلاجقة بالسيف وحده، بل انتصر معنى المقاومة بعد الانكسار، واستعاد الشرق ثقته بأن الهزيمة الأولى ليست نهاية الحكاية.


