منذ سنوات طويلة، ومسألة تهنئة النصارى في أعيادهم تُعد من المسائل التي يكثر تداولها والنقاش حولها، حتى غدت من القضايا التي يُعاد طرحها في كل عام، لا سيما بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتجدد الحديث عنها بصورة موسمية، ويُبدي كلٌّ رأيه واختياره، ثم تتوالى الردود والمناقشات، بين من التزم أصول البحث والنظر، وبين من كان دافعه في ذلك محض العاطفة أو الحمية أو الاعتبارات السياسية.
وليس المقصود في هذا المقال سلوك المسلك المعتاد في تناول هذه المسألة، من خلال عرض الأقوال، وإيراد الأدلة، ومناقشة الشبه، وترجيح أحد الآراء؛ فليس هذا هو الغرض المقصود هنا، وإنما الغاية لفتُ الأنظار إلى قضية أخطر، ومسألة أعظم، تمثل أصلًا سابقًا على هذه المسألة وغيرها من المسائل التي يكثر الجدل حولها.
ذلك أن مسألة تهنئة النصارى فرع عن أصل لا بد من تحريره وبيانه، إذ إن البحث في الفروع قبل الاتفاق على الأصول يُفضي –بحسب قواعد النظر والبحث– إلى الدور أو التسلسل، وكلاهما باطل محال، وما لم يُحرَّر هذا الأصل؛ فسيبقى الخلاف قائمًا، لا في هذه المسألة فحسب؛ بل في غيرها من المسائل التي يُعاد تداولها والنقاش حولها عامًا بعد عام.
وهذا الأصل الذي أريد لفت النظر إليه هو:
هل يحق لأي أحد أن يكشف عن مراد الله تعالى؟
فحين نقول: هذا حكم شرعي، أو هذا هو مراد الله في هذه المسألة؛ فإننا ننسب قضية إثباتًا أو نفيًا إلى الله سبحانه وتعالى، ونُخبر عن مراده، فهل جعل الشارع هذا المقام لكل أحد، عالمًا كان أو جاهلًا؟
ولتحرير هذا الأصل، لا بد من بيان جملة من المقدمات، وهي ثمانية:
المقدمة الأولى:
الأحكام الشرعية مجعولة لله سبحانه وتعالى، فهو واضعها، وهو الحاكم بها، ولا اعتبار بوضع غير غير وضعه، ولا بجعل غير جعله، فمنشأ ثبوت الأحكام الشرعية هو الله لا البشر، وهذا هو معنى قول علماء أصول الفقه: لا حاكم إلا الله، وبناء على ذلك؛ فإن الحكم الشرعي عندهم هو نفس خطاب الله، وكل ما كان ناشئًا عن وضع بشري محض –من آراء أو انطباعات أو أحوال أو أفعال– لا يصح تسميته حكمًا شرعيًا؛ لأن الحكم الشرعي إخبار عن مراد الله، لا عن مراد البشر.
المقدمة الثانية:
إذا تقرر أن منشأ الأحكام الشرعية هو الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله قد أناط بطائفة من هذه الأمة مهمة الكشف عن مراده، لا إنشاء مراد له، ولهذا نقول: الكشف عن مراد الله، ولا نقول: إنشاء مراد لله؛ لأن وظيفة هذه الطائفة –التي سماها القرآن بأهل الذكر، وأهل الاستنباط، والراسخين في العلم– هي وظيفة كشفية مظهرة، لا وظيفة تأسيسية مثبتة، فإظهارهم لمراد الله لا يُعد وضعًا ولا جعلًا إلهيًا، إذ إن ذلك خارج عن مقتضى وظيفتهم، وبهذا الاعتبار كان الدين وضعًا إلهيًا لا بشريًا.
المقدمة الثالثة:
إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أحال غير العالِم على العالِم، فقال: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، وقال: “فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول”، وقال: “ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”؛ فإن الواجب على من لا يعلم أن يسأل من يعلم ممن أناط الله بهم وظيفة الكشف عن مراده، ولا يجوز له أن يجتهد بنفسه في البحث عن مراد الله؛ لأن احتمال الخطأ في نسبته أمرًا إلى الله احتمال غالب، والعبرة بالغالب الشائع لا بالنادر.
المقدمة الرابعة:
إذا أُحيل الأمر إلى هذه الطائفة من أهل العلم؛ فإما أن يتفقوا على بيان مراد الله، أو يختلفوا فيه، فإن اتفقوا جميعًا؛ فذلك هو الإجماع، وإن اتفق أكثرهم مع وجود مخالفة؛ فإننا نكون أمام احتمال الاختلاف، وحينئذ لا بد من النظر: هل هو اختلاف في الأصول أم في الفروع؟ فإن كان الاختلاف في الفروع؛ فلا يصح بحث تلك الفروع إلا بعد ضبط الأصول التي نشأت عنها؛ لأن الفرع تابعٌ لأصله، ولا معنى لمناقشة فرع لم يُحرَّر أصله، ومن هنا نشأ علم أصول الفقه.
المقدمة الخامسة:
إذا ثبت أن أهل العلم قد يختلفوا في الكشف عن مراد الله؛ فإن هذا الاختلاف إما أن يكون اختلافًا سائغًا مقبولًا، وإما أن يكون اختلافًا مذمومًا مردودًا، فإن كان الاختلاف سائغًا؛ وجب قبوله، لأن هذا الاختلاف لم ينشأ إلا عن سببٍ معتبر سيأتي بيانه.
المقدمة السادسة:
سبب الاختلاف السائغ في الكشف عن مراد الله هو ظنية المسألة محلُّ البحث والنظر، فلو كانت هذه المسألة قطعية الثبوت والدلالة، أو معلومة من الدين بالضرورة؛ لم يَسُغ فيها الاختلاف، وكان الخلاف فيها مردودًا، أما إذا كانت المسألة ظنية –من جهة الثبوت أو الدلالة– فإن الاختلاف فيها يسوغ، ويجب قبوله على النحو الذي فصله علماء أصول الفقه، ولا يصح الإنكار في مسائل ثبت فيها اختلاف معتبر، إذ لا مؤاخذة في الاجتهاد السائغ في الظنيات.
المقدمة السابعة:
حفظ الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة أربعة مذاهب سنية معتبرة، هي مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والاختلاف بينها اختلاف تنوُّع لا تضاد، وهو واقع في المسائل الظنية لا القطعية، فإذا حرَّم مذهب أمرًا، وأباحه مذهب آخر؛ كان هذا الاختلاف اختلافًا معتبرًا، ولا يجوز الإنكار على من أخذ بأحد هذه الأقوال المعتبرة.
المقدمة الثامنة:
تأسيسًا على ما سبق؛ فإن غير المجتهدين يلزمهم سؤال أهل الاجتهاد وتقليدهم، ولا تبرأ ذمتهم أمام الله إلا بذلك، ولا يجوز لأحد أن يُنصِّب نفسه مجتهدًا فينسب إلى الله ما توهمه مرادًا له، والله بريء منه، ولهذا قال الله تعالى: “ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذّب بآياته”، وقال: “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب”، فنسبة الحكم إلى الله بغير طريقه افتراءٌ عليه، وهو داخل في الوعيد الوارد في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال في الحديث المتواتر: “من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار”.
وخلاصة الأمر:
أن الجدل الدائر اليوم حول مسألة تهنئة النصارى –جوازًا أو منعًا– إن لم يُبنَ على استحضار هذه المقدمات الثمانية؛ فسيبقى إشكالًا متكررًا لا ينتهي، فحقيقة الخلاف القائم اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي هو فرع الخلاف في واحدة من هذه المقدمات أو أكثر، ومن لم يُسلِّم بها؛ فلا سبيل إلى مناقشته في الفروع، لا في هذه المسألة ولا في غيرها، وإنما يكون محل البحث معه في هذه الأصول نفسها، فبضبط الأصول تنضبط الفروع، وبغير ذلك يبقى الخلاف دائريًا لا ثمرة له.
فهذه هي أصول البحث في هذه المسألة، وفي كل مسألة من نظائرها.
ولهذا فإنَّ معالجة المسائل الخلافية لا تستقيم إلا إذا وُضِعت في إطارها المنهجي الصحيح، إذ لا قيمة للاشتغال بالفروع مع إهمال الأصول التي تُبنى عليها.
ومسألة تهنئة النصارى في أعيادهم ليست إلا مثالًا على خلل أعمق يتكرر في غيرها من القضايا، حين يُتجاوز البحث الأصولي إلى إطلاق الأحكام ونسبتها إلى الله تعالى بغير علم ولا منهج.
وإنَّ ردَّ الاعتبار لأصول البحث الشرعي، والتمييز بين مقام الكشف عن مراد الله ومقام القول فيه بغير أهلية؛ كفيل بضبط مسار النقاش، وتقليل مساحات النزاع، وردِّ كثير من الجدل إلى موضعه الصحيح، فمتى أُحكمت الأصول، واستُحضرت ضوابط الاجتهاد والاختلاف؛ انضبطت الفروع، وسَلِمَ الخطاب الديني من الاضطراب والتسيُّب.
وبهذا يتبيَّن أن الإشكال القائم اليوم ليس في تعدد الأقوال بقدر ما هو في تجاوز المنهج، وأن إصلاح طريق النظر مقدَّم على إصلاح نتائج النظر؛ إذ لا تُعرف الأحكام الشرعية على وجهها إلا بسلوك الطريق الذي جعله الله موصلًا إلى مراده، لا بادعائه ولا بتجاوزه.
والله أعلم وأحكم.







