في قصر الصفا، بعد أن طافوا بالكعبة، وقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي أردوغان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف اتفاقا يقول جملة واحدة: إذا ضربت واحدة منا، ضربنا جميعا.
على الورق، هو اتفاق دفاعي. في الحقيقة، هو زلزال يغير خريطة الشرق الأوسط.
لماذا وقعوه الآن؟
الجواب بسيط: لأن أمريكا لم تعد تحمي.
منذ فبراير الماضي، وإيران تضرب السعودية من كل مكان: بصواريخها، وبواسطة الحوثيين في اليمن، والحشد في العراق. منشآت النفط احترقت، ومضيق هرمز، الذي يمر منه 20 بالمئة من نفط العالم، أغلق تقريبا.
السعودية نظرت لواشنطن وقالت: أين الحماية التي وعدتمونا بها منذ 80 سنة؟
فذهبت تبحث عن حماية أخرى. وجدتها في مكانين:
باكستان: الدولة المسلمة الوحيدة التي تملك قنبلة نووية، والتي دربت الجيش السعودي لعقود.
تركيا: ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وصاحبة الطائرات المسيرة التي اشترتها الرياض بأكبر صفقة في تاريخ تركيا.
ما هي أهداف الاتفاق؟
أولا، الردع: أن تقول لإيران: إذا ضربت الرياض مرة أخرى، ستجدين نفسك في حرب مع إسلام آباد وأنقرة، ليس فقط مع الرياض.
ثانيا، الاستقلال: أن تقول لأمريكا: نحن نستطيع أن نحمي أنفسنا بدونكم.
ثالثا، الرمز: التوقيع في مكة ليس صدفة. هو يقول للمسلمين: هذا حلف يحمي قبلتكم، وليس حلفا سياسيا عاديا.
هنا يبدأ الخطر الحقيقي.. خوف أمريكا من الصين وروسيا
وهنا النقطة التي لا ينتبه لها الكثيرون.
أمريكا لم تغضب من الاتفاق، بل سكتت. لماذا؟ لأنها خائفة من شيء أكبر.
تخيل معي: أنت تشكل فريق كرة قوي في الحي. ماذا سيفعل الفريق الآخر؟ سيذهب ويشكل فريقا أقوى.
اتفاقية مكة شكلت فريقا سنياً قوياً يضم السعودية وباكستان النووية وتركيا الناتوية. إيران، التي تشعر بالخطر، ستذهب فورا إلى الصين وروسيا وتقول: ساعدوني.
والصين وروسيا كانتا تنتظران هذه اللحظة. ستقولان للعالم: نحن لا نساعد إيران لتهاجم، نحن نحفظ التوازن في الخليج حتى لا يسيطر فريق واحد على نفط العالم.
وتحت شعار حفظ التوازن، ماذا ستفعلان؟
روسيا سترسل لإيران صواريخ اس 400 المتطورة.
الصين سترسل لها أقمارا صناعية ومقاتلات حديثة.
معا، ستجريان مناورات بحرية في الخليج.
وبهذا يتحول الخليج من بحيرة أمريكية، إلى ساحة حرب باردة جديدة بين أمريكا وحلفائها من جهة، والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى.
لو كان كيسنجر موجودا، ماذا كان سيقول؟
هنري كيسنجر، مهندس السياسة الأمريكية، كان سيقول إن هذا خطأ قاتل.
كان يؤمن بقاعدة: لا تجعل حليفك قويا جدا، فيستغني عنك.
السعودية اليوم فعلت ذلك. أصبحت قوية لدرجة أنها لم تعد تحتاج واشنطن.
وكان يؤمن بقاعدة ثانية: لا تخلط الدين بالسياسة.
عندما توقع اتفاقا عسكريا في مكة بعد العمرة، أنت تحول الحرب من صراع على النفط إلى صراع مقدس. والصراع المقدس لا ينتهي بسهولة.
كان كيسنجر سينصح ترامب: لا تدعم هذا الحلف ولا تحاربه. حاول أن تفرغه من محتواه النووي، واستخدمه كجسر للتفاوض مع إيران، وأعط الصين وروسيا مقعدا صغيرا على الطاولة حتى لا يقلبوا الطاولة كلها.
الخلاصة:
اتفاقية مكة لم تحل مشكلة أمن الخليج. هي نقلت المشكلة من مستوى صغير وهو إيران ضد السعودية إلى مستوى عالمي وهو أمريكا وحلفاؤها ضد الصين وروسيا وإيران.
نحن لم نعد أمام اتفاق دفاع مشترك. نحن أمام بداية نظام عالمي جديد، يتشكل الآن في مياه الخليج.


