تتواصل في مقر المحكمة الجنائية الدولية بمدينة لاهاي الهولندية، حتى 21 مايو الجاري، جلسات الاستماع الخاصة بملف الانتهاكات المرتكبة داخل سجن معيتيقة في ليبيا، في واحدة من أبرز القضايا الليبية التي تصل إلى القضاء الدولي منذ سنوات، حيث يمثل المسؤول الليبي السابق خالد محمد علي الهيشري أمام قضاة المحكمة بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ويُعد الهيشري أول مسؤول ليبي يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ إحالة مجلس الأمن الدولي الملف الليبي إلى المحكمة عام 2011، للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة التي صاحبت سنوات الصراع والفوضى التي أعقبت سقوط نظام العقيد معمر القذافي.
من هو خالد الهيشري؟
كان خالد الهيشري أحد القيادات البارزة سابقًا في قوة الردع الخاصة التابعة للمجلس الرئاسي الليبي في طرابلس، كما تولى إدارة سجن معيتيقة خلال الفترة من 2015 وحتى 2020، وهي السنوات التي شهدت اضطرابات أمنية واسعة في العاصمة الليبية.
ويبلغ الهيشري من العمر 47 عامًا، وتقول وثائق الادعاء بالمحكمة إن الجرائم المنسوبة إليه وقعت خلال إدارته للسجن، حيث يواجه 17 تهمة تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي والاضطهاد والمعاملة غير الإنسانية بحق المحتجزين.
وكانت السلطات الألمانية قد ألقت القبض عليه خلال عام 2025، قبل تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية تنفيذًا لمذكرة توقيف دولية.
اتهامات خطيرة داخل سجن معيتيقة
بحسب وثائق الادعاء، فإن الهيشري لعب دورًا أساسيًا في إدارة منظومة الانتهاكات داخل سجن معيتيقة، الذي وصفته تقارير حقوقية بأنه من أكثر مراكز الاحتجاز إثارة للجدل في ليبيا.
وتشير الاتهامات إلى تعرض عدد كبير من المعتقلين للتعذيب الممنهج والحرمان من الرعاية الطبية والتجويع، فضلًا عن ترك بعض المحتجزين في العراء خلال فصل الشتاء، ما تسبب في وفاة عدد منهم.
كما تتضمن القضية اتهامات بوقوع اعتداءات جنسية وعمليات اغتصاب بحق سجناء، بينهم فتى يبلغ من العمر 15 عامًا، نفذها حراس أو محتجزون آخرون داخل السجن.
وتؤكد هيئة الادعاء أن لديها “أسبابًا معقولة” للاعتقاد بأن الهيشري شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في تلك الانتهاكات، خصوصًا في ما يتعلق بالإشراف الصارم على أقسام الاحتجاز، بما فيها قسم النساء.
جلسات تمهيدية وليست محاكمة كاملة
ورغم أهمية الجلسات الحالية، فإنها لا تمثل حتى الآن محاكمة كاملة، بل تُعد مرحلة قانونية تمهيدية تهدف إلى تقييم الأدلة المقدمة من الادعاء، وتحديد ما إذا كانت كافية لإحالة القضية إلى محاكمة رسمية.
ويملك قضاة المحكمة مهلة تصل إلى 60 يومًا لاتخاذ قرارهم، سواء بتأكيد التهم وفتح محاكمة كاملة، أو إسقاط بعض التهم، أو الإفراج عن المتهم حال عدم كفاية الأدلة.
وكان الهيشري قد ظهر لأول مرة أمام المحكمة في ديسمبر الماضي بعد توقيفه، حيث اكتفى بتأكيد بياناته الشخصية، قبل عقد الجلسة الإجرائية الأولى في يناير الماضي.
ترحيب حقوقي ورسائل للضحايا
من جانبها، اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن مثول الهيشري أمام المحكمة يمثل تطورًا مهمًا في مسار العدالة الدولية المتعلقة بالملف الليبي.
وقالت الباحثة بالمنظمة أليس أوتين إن رؤية مشتبه به ليبي أمام المحكمة بعد أكثر من 15 عامًا على أحداث 2011 يبعث برسالة قوية إلى ضحايا الانتهاكات بأن مطالبهم بالعدالة لم تُنسَ.
وأضافت أن استمرار الانتهاكات في ليبيا يستوجب تحركًا دوليًا ومحليًا لإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي ساهمت في تغذية العنف والانقسام طوال السنوات الماضية.
أزمة ليبيا المستمرة
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني من حالة الانقسام السياسي والأمني منذ عام 2011، حيث تتوزع السلطة حاليًا بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، وسط تعثر جهود إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات السيادية.
ورغم بعض الخطوات الأخيرة، ومنها التوصل إلى ميزانية موحدة بين الشرق والغرب بدعم دولي، فإن الملفات الأمنية والحقوقية ما تزال تمثل أحد أكبر التحديات أمام استقرار البلاد وإنهاء سنوات الفوضى والصراع الداخلي.






