رائعة جدًا حالة التعاطف مع برنامج “دولة التلاوة”. هذه الحالة تنسف ادعاء نظرية “الجمهور عاوز كدة” التي أفرزت على مدار سنوات متعاقبات حزمة من البرامج الهابطة والتافهة والسفيهة التي كانت تُرصد لها الميزانيات المفتوحة.. (أبلة فاهيتا وأخواتها نموذجًا). كما أكدت تلك الحالة أن الذائقة المصرية –رغم كل عوامل التعرية والتجريف التي تعرضت لها قسرًا خلال أكثر من عقد- لا تزال عفيَّة وقادرة على التمييز بين الخبيث والطيب ( حال وُجِد الأخير). المصريون –على اختلاف هوياتهم: مسلمين وغير مسلمين- جُبلوا على حب الاستماع إلى القرآن الكريم. الرعيل الأول من قراء الإذاعة –بما حباه الله من روعة الأداء وجمال الصوت- نجح في تقريب كتاب الله إلى الآذان والقلوب، داخل مصر وخارجها. الإشادة بالبرنامج –حتى لو كانت فكرته منسوخة من قنوات عربية وخليجية- واجبة؛ فأن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي.
هذه الحالة الاستثنائية من الإعجاب من مسلمين وغير مسلمين وملاحدة لا يجب أن تكون حاجزًا أمام إلقاء الضوء على بعض نقاط الضعف التي تعتريه؛ ليس من باب الانتقاص منه، ولكن بحثًا عن الحد الأدنى من الكمال؛ خاصة إذا كان هذا متاحًا وليس صعبًا أو مستحيلاً. هذه النوعية من البرامج يجب أن تخلو في أدق تفاصيلها من المجاملات والعشوائية؛ لا سيما في ظل توافر العنصر المادي الذي يعطل –حال غيابه- كثيرًا من المشاريع الإعلامية النبيلة.
عقب إذاعة أربع حلقات من برنامج “دولة التلاوة”، وبعد حملات الدعم المنطقية والمجانية والممولة والعاطفية..برز هناك وجهان من وجوه العوار لا ينبغي تجاهلهما وغض الطرف عنهما إذا كانت هناك رغبة جادة في تقديم نسخة معتبرة من برامج اكتشاف المواهب القرآنية وتخريج جيل جديد يحمل لواء دولة التلاوة “المُنكَّس” منذ سنوات غير قليلة. العنصر الأول يتمثل في منصة الحكم، والعنصر الثاني هو المونتاج.
لا يختلف اثنان من أهل الدقة والدراية والفهم على أن المنصة ربما اُختيرت على عَجل –هذا إذا افترضنا حُسن النية- ولذا جاء أداؤها مخيبًا ومثيرًا للجدل..والغضب أحيانًا. بعيدًا عن وكيل مراجعة المصحف الشريف بالأزهر الشيخ حسن عراقي فإن الأمر لا يزال ملتبسًا على الكثيرين بشأن اختيار قارئ ليس من الطبقة الأول عضوًا بلجنة التحكيم؛ خاصة أنه لم يستطع التعبير عن نفسه خلال الحلقات الأربع الأولى ولا تغيير هذه الصورة السلبية عنه، بل إن تعقيباته على المتسابقين تكاد تكون صدى لكلام الشيخ “حسن”، والمرة الوحيدة التي خالفه فيها كانت عندما قال لمتسابق: “اسمك حلو يا شيخ مهنا”!
أما الكارثة الكبرى فتتمثل في الاستعانة بمَن يسمي نفسه “خبيرًا بالمقامات الصوتية”. بعيدًا عن درجته العلمية المنتحلة أو المشتراة بدولارات معدودة من جامعة مغمورة فإن الرجل يروج لبضاعة فاسدة. يبدو أن (مطرب الموالد المتقاعد) أوغل في عالم المقامات حتى غلبت الصنعة عنده على المعني، فصار ينظر إلى التلاوة بعين الموسيقي لا بعين العابد، ويريد من القارئ أن يطرب لا أن يخشع. التلاوة -في الأصل- عبادة، ولكنها عند أمثاله مجرد عرض فني. يحاكم الرجل المتسابق إلى المقام الموسيقي وطبقة الصوت، لا إلى مقام العبودية وطبقة الإيمان.
هذه الفئة من خبراء هذا الدجل قادت إلى ظهور قراء معروفين يقومون بتركيب كلام الله على بعض الألحان الساقطة والهابطة والسفيهة، والأزمة الأكبر أن يكون هناك جمهور واسع لهؤلاء القراء المتلاعبين الذين يفتقدون إلى الحد الأدنى من الكفاءة، بعضهم لا يجيد النطق السليم لألفاظ القرآن الكريم، ناهيك عن أحكام التلاوة وأصولها.
لقد ظن هذا المحكم نفسه على صواب حتى أنه خاض –قاصدًا أو غير قاصد- في اثنين ممن أقاموا دعائم دولة التلاوة المصرية وهما: الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمد صديق المنشاوي. التشغيب على القراء القدامي حيلة ماكرة يلجأ إليها بعض المغمورين؛ بحثًا عن الشهرة. تلك الإساءات –التي ما كان يجب أن تصدر عن محكم قرآني- تقودنا مباشرة إلى العنصر الثاني وهو المونتاج الذي لم يتدخل – رغم أن البرنامج مُسجل- في حجب وحذف النوعية من التجاوزات غير اللائقة بحق قراء كبار وعظام لن يجود الزمان بأمثالهم. إن تمرير هذه الإساءات هكذا قد يعني الموافقة عليها ضمنيًا، وهذا مستبعد إن لم يكن مستحيلاً؛ لأن الفكرة الأساسية لدي البرنامج هي تقديم أجيال جديدة من القراء يكونون امتدادًا لمن سبقوهم بإحسان، ولكنه قد يعكس عدم استيعاب القائمين على البرنامج لها وإدراك أبعادها وتداعياتها..وتلك طامة كبرى..والله من وراء القصد.







