بقلم د. وصفي أبو زيد
رحم الله أبا عبيدة، فقد أُعلن اليوم رسميًا نبأ استشهاده، فكان الخبرُ ثقيلًا في وقعه، واسعَ الصدى، يتجاوز حدود الأسماء إلى معنى الغياب حين يغيب صوتٌ شكّل علامةً فارقة في زمنٍ مضطرب، وأدار الكلمة بوعيٍ جعلها حدثًا ينتظره المتابعون قبل الخصوم.
لقد مثّل أبو عبيدة، في حضوره الإعلامي، حالةً نادرة كافأ فيها جهاده الإعلامي بالجهاد العسكري، كما مثّل حالة من الانضباط والاقتصاد في القول، فكان ظهوره محسوبًا، وعبارته مقتصدة، وإيقاعه ثابتًا، حتى صار الخطاب جزءًا من المشهد، لا تابعًا له، وصار الصمت عنده لغةً لا تقلّ دلالةً عن الكلام.
ولئن اختلف الناس في المواقف والقراءات، فإنّ الأثر الإعلامي الذي تركه لا يُنكر؛ إذ استطاع أن يحوّل البيان إلى لحظةٍ جامعة، وأن يجعل الكلمة محلَّ متابعةٍ عالمية، بما فيها الطرفُ الذي يخاصمه، في زمنٍ تَغلب فيه الفوضى على الخطاب وتضيع فيه الحدود بين الرسالة والضجيج.
إنّ رحيل الأصوات المؤثرة يذكّرنا بأنّ الكلمة، حين تُدار بوعيٍ ومسؤولية، تبقى بعد أصحابها، تُستعاد وتُناقش وتُدرَس، لا بوصفها عبارات تقال في الهواء وعلى الشاشات، بل باعتبارها جزءًا من تاريخٍ تشكّل تحت الضغط، وتكوّن في قلب الصراع.
نسأل الله الرحمة لابي عبيدة ولمن قضى، وأن يعوّض أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يلهم الجميع رشد الكلمة وبصيرة الموقف؛ فالتاريخ لا يحفظ الضجيج طويلًا، لكنه لا ينسى الأصوات التي عرفت وزنها، وأدركت مسؤوليتها، وقامت بالواجب خير قيام.







