الصراع في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش ومليشيا الدعم السريع في أبريل 2023 لم يتحول لمجرد مواجهة عسكرية بين بين الطرفين بل غدا أيضا أيضًا معركة على شكل الدولة ومستقبل السلطة، حيث عادت قضية دور الإسلاميين، وإرث نظام عمر الم لبشير، وعلاقة المؤسسة العسكرية بالقوى المدنية إلى واجهة النقاش السياسي.
ومن المهم الإشارة هنا إلي أن السودان حالة مختلفة عن كثير من الدول العربية والإفريقية، لأن التيار الإسلامي كان لعقود جزءًا أساسيًا من بنية الدولة، خصوصًا منذ انقلاب عام 1989 الذي أوصل الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي إلى السلطة بالتعاون مع المؤسسة العسكرية.
وخلال ثلاثة عقود من حكم البشير، تشكلت شبكات سياسية واقتصادية وأمنية مرتبطة بالحركة الإسلامية، قبل أن تؤدي احتجاجات شعبية واسعة إلى سقوط النظام عام 2019 وعودة الجيش لصدارة المشهد بشكل مباشر زمعه بقايا التيار الشيوعي واليساري في السودان والذي بدا حربا لهوادة فيها لاحتثاث إسلاميي السودان من المشهد .
مرحلة ما بعد البشير
بعد سقوط البشير، دخل السودان مرحلة انتقالية معقدة بين الجيش والقوى المدنية، بينما حاول الإسلاميون “الكيزان” إعادة بناء حضورهم السياسي. ومع اندلاع الحرب بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تصاعد الجدل حول عودة عناصر مرتبطة بالنظام السابق إلى مواقع التأثير داخل مؤسسات الدولة.

ويؤكد قادة الجيش السوداني أن القوات المسلحة تخوض حربًا للدفاع عن الدولة ضد تمرد قوات الدعم السريع، وأن اتهامات تحالفها مع الإسلاميين تهدف إلى إضعافها سياسيًا. كما يرفض الجيش وصف المعركة بأنها صراع بين الإسلاميين والمدنيين، ويؤكد أن الأولوية هي إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة في رد مباشر علي ادعاءات الدعم السريع ومن يقفون خلفها .
الإسلاميون والعودة للمشهد
في المقابل، ترى قوى مدنية سودانية، بينها أطراف من قوى الحرية والتغيير، أن الإسلاميين يسعون إلى استغلال الحرب للعودة إلى المشهد السياسي بعد أن فقدوا السلطة عام 2019. وتتهم هذه القوى عناصر من النظام السابق بمحاولة تعطيل الانتقال الديمقراطي، بينما ينفي الإسلاميون ذلك ويقولون إنهم جزء من المجتمع السوداني ولهم الحق في المشاركة السياسية.
أما التيارات الإسلامية السودانية نفسها، فهي ليست كتلة واحدة. فهناك تيارات مرتبطة تاريخيًا بالحركة الإسلامية التي حكمت خلال عهد البشير، وترى أن إقصاء الإسلاميين من الحياة السياسية غير ديمقراطي. وهناك تيارات إسلامية أخرى تنتقد تجربة الحكم السابقة، وتدعو إلى مراجعة أخطاء الماضي وبناء مشروع سياسي إسلامي مختلف يعتمد على المشاركة والانتخابات.
ويرى الباحث السوداني إحسان عبد العزيز وعدد من دارسي الحركات الإسلامية في السودان أن الأزمة الأساسية ليست فقط في وجود الإسلاميين أو غيابهم، بل في طبيعة الدولة السودانية نفسها، حيث ظل التنافس بين الجيش والحركات السياسية والدينية والمدنية يمنع بناء نظام مؤسسي مستقر.
وتشير دراسات صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومجموعة الأزمات الدولية إلى أن أحد أسباب تعقيد الأزمة السودانية هو تداخل العسكري والسياسي والاقتصادي، حيث تمتلك القوى المسلحة شبكات نفوذ وموارد مستقلة، بينما تعاني القوى المدنية من ضعف التنظيم والانقسام.

ومن زاوية حقوق الإنسان، أصبحت الحرب هي القضية الأكبر، إذ وثقت الأمم المتحدة ومنظمات دولية واسعة الانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك القتل والنزوح والعنف الجنسي وتدمير البنية الأساسية. وتؤكد المنظمات الإنسانية أن ملايين السودانيين أصبحوا بحاجة إلى مساعدات عاجلة، وأن الأولوية يجب أن تكون حماية المدنيين قبل أي ترتيبات سياسية.
تردي الأوضاع الاقتصادية
اقتصاديًا، أدت الحرب إلى انهيار قطاعات واسعة، وتراجع الإنتاج، وارتفاع معدلات الفقر والنزوح. ويرى خبراء اقتصاديون أن أي مشروع لإعادة بناء السودان سيحتاج إلى معالجة جذور الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك اقتصاد الحرب، واحتكار الموارد، وضعف المؤسسات.
ويطرح مستقبل السودان ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار الحرب بما يؤدي إلى مزيد من التفكك، أو تسوية عسكرية تفرضها موازين القوة، أو اتفاق سياسي واسع يشمل الجيش والقوى المدنية والتيارات الإسلامية ضمن صيغة جديدة للحكم.
ويعتبر كثير من المراقبين أن التحدي الأكبر أمام السودان ليس فقط إنهاء القتال، بل بناء عقد سياسي جديد يحدد علاقة الدين بالدولة، ودور الجيش، ومشاركة جميع التيارات، بما فيها الإسلاميون، دون العودة إلى نموذج الهيمنة الذي عرفه السودان قبل 2019.







