لا شك أن الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، وقبلها حرب الأيام الاثني عشر في يونيو من العام الماضي، كانت من أكثر الحروب تدميرًا وخطورة في المنطقة خلال العقود الأخيرة.
فقد استخدمت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي أحدث ما تملكانه من أدوات الحرب والتدمير، واضعتين أهدافًا طموحة ومعلنة تمثلت في إسقاط النظام الإيراني، واغتيال قياداته السياسية والعسكرية، وتدمير قدراته العسكرية والبنية التحتية الاستراتيجية، وتفكيك الجغرافيا الإيرانية عبر تأجيج النزعات الانفصالية، والسيطرة على موارده النفطية، بل وحتى الحديث عن رسم مستقبل إيران السياسي وتحديد من يحكمها بعد ما سُمّي يومها بـ«الاستسلام غير المشروط» الذي كان الرئيس ترامب يطالب به.
ومن هنا فإن تقييم نتائج الحرب لا ينبغي أن يكون من خلال حجم الدمار أو عدد الضربات، بل من خلال سؤال واحد: هل تحققت الأهداف الاستراتيجية التي أُعلنت مع بداية الحرب؟
الواقع أن المشهد الذي نراه اليوم يطرح إجابة مختلفة تمامًا.
فبعد أشهر من الحرب والتصعيد، عاد الجميع إلى طاولة التفاوض تقريبًا من النقطة نفسها التي كانت مطروحة قبل اندلاع الحرب: برنامج نووي سلمي مقابل رفع العقوبات، مع اعتراف متزايد بحق إيران في امتلاك برنامج نووي للأغراض السلمية تحت الرقابة الدولية، وهو أمر كان يُرفض بصورة شبه مطلقة في بداية الحرب.
صحيح أن إيران ستقدم، كما فعلت سابقًا، تنازلات تتعلق بمستويات التخصيب والرقابة الدولية على برنامجها النووي. وهذا ليس جديدًا؛ فقد قبلت في اتفاق عام 2015 بنقل معظم مخزونها من اليورانيوم المخصب منخفض التخصيب إلى الخارج، كما وافقت على إعادة تصميم مفاعل آراك للماء الثقيل بما يمنع إنتاج البلوتونيوم المستخدم في الأغراض العسكرية.
قد تحب إيران أو تختلف معها، لكن من الصعب إنكار أنها نجحت في إحباط الأهداف الكبرى للحرب، وفرضت حدودًا واضحة لقدرة خصومها على استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية. كما نجحت في توظيف أوراقها الاستراتيجية والجيوسياسية بصورة رفعت كلفة المواجهة إلى مستويات دفعت خصومها إلى التراجع التدريجي عن كثير من شروطهم ومطالبهم الأولى، وصولًا إلى السعي الحثيث لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة تدفق التجارة والطاقة العالمية، بعد أن أدرك الجميع أن الحل العسكري مع إيران لا يحقق الأهداف المعلنة.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل اليوم، وفق ما يقر به عدد متزايد من سياسييها وإعلامييها ومحلليها العسكريين، الخاسر الاستراتيجي الأكبر في هذه الحرب.
فقد نجح نتنياهو لأول مرة في تحقيق الحلم الذي سعى إليه لعقود، وهو جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وحشد قدر غير مسبوق من الدعم العسكري والسياسي خلف مشروعه. ومع ذلك، لم تتحقق الأهداف التي قامت عليها الحرب: لم يسقط النظام الإيراني، ولم تتفكك الدولة، ولم يتوقف البرنامج النووي نهائيًا، ولم تنجح محاولات إعادة تشكيل الخريطة السياسية الإيرانية أو فرض الاستسلام الذي جرى الحديث عنه في الأيام الأولى للعدوان.
ولهذا تشهد الساحة الإسرائيلية اليوم حالة من المراجعة القاسية، بل ما يشبه المناحة السياسية والإعلامية، لأن كثيرين هناك يدركون أن فرصة بهذا الحجم قد لا تتكرر مرة أخرى. فإذا كانت الحرب التي شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر، بكل ما تملكه من قدرات عسكرية واستخباراتية واقتصادية، لم تحقق تلك الأهداف، فمتى يمكن أن تتوافر ظروف أفضل من ذلك؟
وربما لهذا السبب عاد الجميع في نهاية المطاف إلى المسار السياسي والتفاوضي، وإلى ملفات كان يمكن التفاوض حولها قبل الحرب، ولكن بعد دفع أثمان بشرية واقتصادية وعسكرية هائلة.
ولهذا يبدو أن أهم ما أفرزته هذه الحرب هو ترسيخ قناعة متزايدة بأن إيران ليست دولة يمكن تجاوزها أو إعادة تشكيلها بالقوة، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في المنطقة لا يمكن أن تنجح من دون أخذ وزنها الإقليمي في الاعتبار.
القادم بالتأكيد لن يكون سهلًا، والتفاوض لا يزال مليئًا بالعقبات، لكن الجميع بات يدرك اليوم أن إيران لا تجيد القتال والصمود فحسب، بل تجيد أيضًا إدارة التفاوض وتوظيف أوراق القوة التي تمتلكها.
ويبقى الأمل أن تكون هذه الحرب هي الأخيرة، وأن تفتح الطريق أمام حوار إقليمي جاد يحترم سيادة دول الخليج العربي، ويؤسس لتفاهمات أمنية مستدامة تحقق الاستقرار بعيدًا عن الحروب وسياسات الهيمنة والإكراه.







