تُعد قضية “الجهاز السري” لحركة النهضة واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في تونس منذ أكثر من عقد، بعدما ارتبطت باسمها سلسلة من الاتهامات المتعلقة بالاغتيالات السياسية والتجسس واختراق مؤسسات الدولة.
وتعود جذور القضية إلى عام 2013 عقب اغتيال السياسي اليساري شكري بلعيد والسياسي القومي محمد البراهمي، وهما عمليتان هزتا الشارع التونسي وأدخلتا البلاد في واحدة من أخطر أزماتها السياسية بعد الثورة.
ورغم إعلان تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن الاغتيالين، فإن هيئة الدفاع عن بلعيد والبراهمي طرحت رواية مختلفة، تحدثت فيها عن وجود جهاز موازٍ منسوب إلى حركة النهضة، قالت إنه يمتلك معلومات ووثائق مرتبطة بالاغتيالات وبعمليات مراقبة واختراق لمؤسسات الدولة.
ومنذ ذلك الحين، تحول مصطلح “الجهاز السري” إلى محور صراع سياسي وقضائي مستمر. فبينما تؤكد جهات معارضة للنهضة أن الملف يمثل قضية أمن قومي تستوجب المحاسبة وكشف الحقيقة كاملة، تنفي الحركة وجود أي جهاز سري تابع لها، وتعتبر أن القضية بنيت على اتهامات سياسية لا تستند إلى أدلة جنائية حاسمة.
وعاد الملف بقوة إلى الواجهة مطلع عام 2022 إثر شكاوى جديدة تقدمت بها النيابة العمومية وهيئة الدفاع عن الضحيتين، قبل أن يُحال لاحقًا إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، وهو ما منح القضية بعدًا أكثر حساسية.
وفي السنوات التالية توسعت التحقيقات لتشمل عددًا من قيادات النهضة، على رأسهم راشد الغنوشي ورئيس الحكومة الأسبق علي العريض، وصولًا إلى الأحكام الأخيرة التي أعادت الملف إلى صدارة النقاش العام.
ورغم مرور أكثر من عقد على انطلاق القضية، فإنها لا تزال محل انقسام حاد داخل المجتمع التونسي. فهناك من يراها ملفًا قضائيًا مشروعًا لكشف ملابسات مرحلة مضطربة من تاريخ البلاد، بينما يراها آخرون أداة ضمن الصراع السياسي الدائر بين السلطة الحالية ومعارضيها.
وبذلك لم تعد قضية الجهاز السري مجرد ملف جنائي أو أمني، بل تحولت إلى واحدة من القضايا التي تختبر حدود العلاقة بين القضاء والسياسة في تونس، ومدى قدرة المؤسسات على الفصل بين المحاسبة القانونية والتجاذبات السياسية.






