تفتح وسائل التواصل الاجتماعي مجالاً واسعاً للكتابة والتعبير بشكل سياح لا محدود، ومع ما في ذلك من سلبيات وإظهار لكل عيوب النفس البشرية، بل وصناعتها وإنتاجها؛ إلا أن هذا يفتح باباً عريضاً لدراسة تلك الطبائع ورصدها وتحليلها، بل ربما تمكن الباحث من إحصائها وضبطها رياضياً.
فتلاحظ مثلاً ظهور طبع “الحقد المشوب بالاستحقاق”؛ شخص طامح بسيط معقد، أتيحت له فرصة لم تتح للكثيرين في عهود سابقة ليعبر عن نفسه، وحتى هنا لا مشكلة تذكر، إلا أنه فجأة يصاب بمحاولة التصدر في وسط هذا الفضاء الوهمي الحالم، فيرصد كل المتصدربن والمؤثرين -بحق أو بباطل- ثم يمتلأ صدره حقداً وحسداً عليهم لأنهم يحتلون مكانته المأمولة، فيأخذ في محاولة “إهدار” ما يقدمونه من الافكار والتحليلات والدراسات ثم شيطنتنهم!
ظاهرة حقيقية وابعادها النفسية الدفينة خافية على أصحابها وبعض العميان الذين يتابعونهم -غالبا مصابون بنفس المرض “الحقد والاستحقاق”- ولكنها تظهر جلية في كل ما يكتبون أو يقولون تقريباً، نعم فهم يريدون إهدار الفائدة التي قد تصل إلى الناس استباقياً وقبل أن تنفعهم او تفيدهم وتؤدي لاعجابهم بأصحابها ومتابعتهم.
نعم كان في “مكة الجاهلية” من يحقد على رسول الله ﷺ لصفاته الحميدة الكريمة، ويرى أن هذا الفتى يزين المجالس ويتصدر المواقف والمحافل دون جهد منه يذكر، ويرى أنه أحق منه “رجل من القريتين عظيم”، ولكنه لا يكاد يجد فرصة أو مناسبة ينابذ بها هذا المحمود الكريم، فلما ابتعث وجاء بدين الله -الجديد القديم- بما يخالف ماهم عليه من رجس الجاهلية وأخلاقها واعتقاداتها؛ واتته الفرصة ليسب هذا الطود العظيم وينال منه.
وما يفعله مرضى الاستحقاق اليوم هو نفس المنهج الجاهلي القديم -وياللعجب- “لا تستمعوا” “والغوا فيه”، فمثلا لا تسمعوا ولا تقرأوا لفلان، وشوشوا عليه قدر المستطاع، فلا ينبغي أن يستمع إليه أحد، وإن استمع فلا يفهم! ما هذا!
وبذا تلاحظ أن القرآن الكريم ذكر كل الطبائع، والعلائق النفسية الإنسانية، بكل تعقيداتها وتفاصيلها، والمهم هو سياق ذكرها الذي يربطها بكل ظواهرها كأسباب وعوامل، وهذا شيء يستحق التعمق والدراسة والفهم للتطبيق والاستباق.
وفي هذا الإطار يمكن للدول الرشيدة، التي تقودها عقول حكيمة، ومؤسسات واعية دراسة شخصية مثل الرئيس الأمريكي ترامب -على سبيل المثال- نفسياً وتحليليلاً وفهم مسارات سياساته، بل والتأثير فيها وتوقع نتائج تحركاته وقراراته بسهولة!


