علّمنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن العلم وأدواته من القراءة والكتابة والقلم هو أول ما نزل عليه من القرآن الكريم، فقد كان أول خطاب لرسول الله صلي الله عليه وسلم عن طريق الوحي هو قول الله تعالي: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)” العلق.
فالقراءة وسيلة من وسائل العلم.
وخلق الإنسان من علق حقيقة علمية لم يصل إليها العلماء إلا في العصور الحديثة.
والقلم أداة من أدوات العلم.
وتعليم الإنسان ما لم يعلم فتح لآفاق العلم والبحث والنظر.
لقد دعا القرآن إلي العلم بمختلف مناهجه وموضوعاته في أكثر من ٧٥٠ آية من آياته الكريمة، كما دعا إلي التفكير والبحث والنظر والتأمل في ظواهر الكون في عشرات الآيات بهدف التعرف علي هذه الظواهر ومحاولة تحديد السنن والنواميس التي تحكمها.
لقد فرّق الإسلام بين العلم باعتباره قيمة تحدد قدر الإنسان عند الله وعند الناس، وبين الجهل حيث قال تعالي: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ”. المجادلة:١١.
بل جعل الإسلام طلب العلم فريضة علي كل مسلم ومسلمة. فهل يمكن أن يقال عن دين هذه توجيهاته إنه سبب التخلف العلمي، وأن التحرر منه هو الطريق إلي التقدم؟وإذا كان الإسلام هو السبب في التخلف العلمي كما يزعم هؤلاء، فكيف نفسر قيام النهضة العلمية الكبرى التي قامت في العالم الإسلامي والتي وصل العلماء المسلمون من خلالها إلي الكثير من الابتكارات العلمية في مختلف العلوم والفنون. لا أملك إلا أن أردد قول الله تعالى: “فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ”. غافر:٤٤.
علّمنا الرسول (صلى الله عليه وسلم): أن المسلم الحق لايعادى إنسانا لذاته ، ولا يكره شخصا لتوجهاته .
قد أكره مسلكك، قد أعادى توجهك، لكنى أحمل بين جوانحى قلبا رحيما لك بصفتك الإنسانية ، يمتلئ بالشفقة عليك ولو كنت على غير دينى ، لماذا؟ لأن المسلم الحقيقى يمثل امتدادا لأنموذج الرحمة والشفقة على خلق الله ، المسلم الحقيقى امتداد لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي قال له ربه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء:١٠٧.
ولذلك كان رسولنا (صلى الله عليه وسلم) أبدا لم يحقد على خصومه ، ولم يتمن زوالهم ، وأبدا لم يدع الله تعالى على أحد أن يهلكه ،بل كان من دعائه : اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون . هو القائل: أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا. البخارى ومسلم.
ولما مرت جنازة يهودى ، وأنتم تعلمون مدى الإساءات التى وجهها اليهود إلى رسول الله (صلي الله عليه وسلم) بكى الرسول صلى الله عليه وسلم.
إنَّ النبيَّ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ) مَرَّتْ به جِنَازَةٌ فَقَامَ، فقِيلَ له: إنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقالَ: أَليسَتْ نَفْسًا. البخارى.وفي رواية أخرى: نفس تفلتت منى إلى النار.
أبدا لم يعاقب الرسول (صلى الله عليه وسلم) أحدا من خصومه بجرم غيره ، بل كان يوصى المقاتلين من المسلمين : بألا يقتلوا امرأة ، ولا يقطعوا شجرة ، ولا يقتلوا طفلا ، ولا مدنيا ، ولا أجيرا ، ولا شيخا هرما ، ولا حتى الرهبان المنعزلين فى صوامعهم .
من وصاياه : لا تخربوا عامرا ، لا تهدموا بناء ، لا تحرقوا نخلا .
هذا هو محمد (صلي الله عليه وسلم).
وهكذا يينبغى أن يكون أتباعه ، همهم : غزو النفوس بالحب لا لى الأعناق بالقهر .
همهم : تذويب العداوات وتغييب الخصومات ، لأنهم يقرأون في قرآنهم ( فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ )
تعلموا أن يحسنوا إلى من أساء إليهم ، أن يصلوا من قطعهم ، أن يعطوا من حرمهم ، أن يصنعوا المعروف في أهله وفى غير أهله.
الرسول المعلم يعلمنا: أن نتمثل القيم الرفيعة التي تمثلها (صلى الله عليه وسلم)، فلم ينس أبدا حسنة لمحسن حتى ولو كان كافرا.
نراه يقول يوم بدر : لو كان (المطعم بن عدي) حيا ثم كلمني في هؤلاء الأسرى لوهبتهم له.
إنه يعلمنا المنهج الأمثل في التعامل مع الآخر.
هل أنت مستعد لأن تغفر لمن خلط معك عملا صالحا بآخر سيئا؟
لقد تمثل الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذا الأمر وطبقه على أرض الواقع، مما يدل على أن المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عاش أفكاره، وإليكم النماذج التالية :
١- حينما افشي (حاطب بن أبي بلتعة) سراً من أسرار الحرب للمشركين وقال لهم : إن محمدا يتجهز بجيش للخروج إليكم، نزل جبريل عليه السلام وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما قال به (حاطب)، وأخبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) (حاطبا)، واعترف (حاطب) بفعلته، فوقف (عمر) رضي الله عنه وهو يتعامل بمنطقنا نحن، منطق محو الحسنات بسيئة واحدة، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم : دعني يا رسول الله أضرب عنقه، ماذا قال له الرسول الكريم؟ إنه يُلقـِنُنا ويُلقنه الدرس الإيجابي حين قال له : دعه يا عمر إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ماشئتم فإني قد غفرت لكم. وقَبـِل الرسول (صلى الله عليه وسلم) عذره في صفح جميل وعفو نادر.
٢- صحابي من صحابته يشرب الخمر، فيؤتي به فيُجلد، وبعد أيام يشرب الخمر مرة ثانية، ويُؤتي به فيُجلد، وبعد أيام يشرب الخمر مرة ثالثة، ويؤتي به فيُجلد، وإذ بصحابي ينسى حسنات هذا الرجل ويقول : لعنة الله على ما يأتي به هذا الرجل، فالتفت إليه الرسول قائلا له : لا تلعنه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله.
#منْ مـِنا على استعداد أن يراجع نفسه على أساس هذا المنطق، فيتجاوز عن شربه للخمر إن شربها، بل عن زناه إن زني.
الغامدية تأتي للرسول (صلى الله عليه وسلم) وتقول له :إني قد زنيت فأقم عليَّ حَدَّ الله وطهرني، وكان ممن رجموها (خالد بن الوليد)، وقال لها : لعنة الله عليك، فالتفت إليه الرسول وقال له : لا تلعنها فوالله لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لكفتهم.
وكفى بالمرء نُبلا أن تُعد معايبه.
ومن الذي ما أساء قط؟
ومن الذي له الحسنى فقط؟
ومن الذي ما سقط؟
وأين هو الذي ما غلط؟
يا كثير الأخطاء : انسيت أن كل ابن آدم خطّاء.
علّمنا الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن مشاكل الدنيا كلها يمكن حلُّها من خلال العلم.
حلَّ مشكلة التخطيط فى السياسة الاقتصادية كما هو واضح من خلال الخطة الخمس عشرية من قصة يوسف الصديق عليه السلام، وكيف كانت هذه الخطة سببا فى إنقاذ مصر وما حولها من الأقطار من مجاعة مهلكة .( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)٤٧-٤٩: يوسف.
استخدم النبي (صلى الله عليه وسلم) لأسلوب الإحصاء . علم الإحصاء الذى يدرس اليوم فى كليات التجارة المخترع له : محمد صلى الله عليه وسلم وليس الغرب،فمنذ عهد مبكر من حياة المسلمين فى المدينة والرسول يستخدم هذا العلم .
فقد روى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة أمر بعض الصحابة أن يحصى له عدد الذين دخلوا فى الإسلام ، فأحصوهم ، وكان تعدادهم فى ذلك اليوم : خمسمائة وألف .
إقراره صلى الله عليه وسلم لمبدأ التجربة في الأمور الدنيوية والأخذ بنتائجها وإن كانت مخالفة لرأيه صلى الله عليه وسلم، كما وقع في حادثة : تأبير النخل، وقال لهم صلى الله عليه وسلم : أنتم أعلم بأمور دنياكم .
حلَّ الرسول (صلى الله عليه وسلم) في المسجد مشكلة الصناعة ودورها في الحياة ، حتى أنه شرح لهم أن رسل الله كانوا أصحاب حرف وصناعات. #فنوح شيخ المرسلين : يصنع السفن ، وابراهيم واسماعيل : بناءان يرفعان القواعد من البيت ، وداود : يصنع الدروع ويلين له الحديد ، وذو القرنين : يقيم السد العظيم من الحديد والنحاس المذاب .
وكان أحمد شوقي رحمة الله عليه يقول في مدحه:
وإذا خطبت فللمنابر هزة
تعرو الندى وللقلوب بكــاء
يا أيها الأمي حسبك رتبة
في العلم أن دانت لك العلماء
معنى كلامه: إذا خطبت يا رسول الله فإن الناس في المسجد بين باكٍ ومتأوه لأن كلامه كان يخرج من قلبه، كان كلامه الصدق ، لم يكن عنده ألغاز و لا أحاجي و لا ألغام و لا عقد ، فكان إذا خطب حرك القلوب و أنهض المشاعر .
ولهذا قال “جولدزيهر” المستشرق المجري اليهودي : و الله أنا لا أعجب أن محمداً رسول الله من عند الله إلى الناس، فقد بعث الله من قبله رسلاً إلى قومهم وأنبياء إلى أهلهم , إنما أعجب أشد العجب أن هذا الرجل كان أميا ما درس في مدرسة ولا تعلم في جامعة، و لا كان في بلد فيها حضارة . كان صلى الله عليه وسلم يخطب في المسجد، وكان يُعلم في المسجد , وفي المسجد ظهرت الأمة والأئمةالكبار.
الرسول المعلم يعلمنا : أن نأكل الحلال، لأن المال أساس نهضة الأمم وتقدم الدول وبناء الحضارات؛ لذا حث الإسلام على طلبه وكسبه بالطرق الصحيحة وبالوسائل المشروعة، بل أرشد إلى إنفاقه فيما يعود بالنفع على الإنسان والأكوان، ويكون محقِّقًا لرضا الرحمن.
إن من أهم النصوص التي وردت في هذا الشأن؛ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
وفي هاتين الآيتين إشارتان لطيفتان:
الأولى: جاء التعبير القرآني عن أخذ الأموال بدون وجه حقٍّ بـ”الأكل”؛ وذلك؛ لأنَّ الأكلَ هو المنفعة الظاهرة من المال، وهو أكثر شيء يُطلب المال من أجله، وفي هذا التعبير أيضًا: تنفيرٌ شديدٌ من الأكل من المصادر المحرمة؛ لأنَّ مصير مَنْ سيأكل الحرام سيكون إلى النار، فكلُّ ما نبت من حرامٍ النارُ أولى به.
والثانية: التعبير بلفظ: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض؛ وذلك للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وأيضًا للتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي، وأخذ المال بغير حق يعرِّض كلَّ مالٍ للضياع، ومثل هذه التعابير متكررة في القرآن الكريم للإشارة إلى ضرورة التكافل بين أبناء الأمة الواحدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وكقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٢٧].
ولذلك جاء في حديث خير البشر صلي الله علية وسلم لأبي هريرة: يا أبا هريرة : اتق المحارم تكن أعبد الناس.اتق المحارم في المأكل والمشرب ، فيما تمشي إليه برجليك، فيما تتناوله بيديك، فيما تتكلم به بلسانك، فيما تسمعة بأذنيك. إنّ أعبد الناس من يتورع عن الحرام.
السيدة رابعة العدوية وهى جالسة مع أبيها وهى بنت ست سنوات ، كان إذا وضع الطعام أمامها لاتمد يدها إلى الطعام ، فيقول لها الأب: كلى يارابعة ، فتقول له: والله لا آكل حتى أعلم أحلال هو أم حرام؟ فيقول لها الأب: ولو كان من الحرام ماذا ستصنعين ؟ تقول له : يا أبتِ أصبر على الجوع فى الدنيا ولا أصبر على عذاب الله يوم القيامة.
الإمام الشِّبْلى حين حضرته الوفاة وجدوه يبكى بكاء شديدا، فقالوا له: ما يبكيك يا إمام؟ قال : علىّ درهم أخذته من إنسان ولم أتمكن من رده ، تصدقت عنه بخمسة آلاف درهم، ووالله ما على قلبى أشد من هذا الدرهم.
عليك أن تنظر في رصيدك فى البنك، أحلال هو أم حرام؟ أن تنظر في الثوب الذى تلبسه، وفى الشّراب الذى تشربه.
كان جرير بن عبد الله إماما وتاجرا، وكان الناس يأتون إليه ليشتروا منه بضاعته، فكان يقول لهم: هذه البضاعة فيها عيب كذا وفيها عيب كذا، فقال الناس له يا إمام: أنت لن تبيع شيئا ولن يَشْترىَ أحد ٌ منك شيئا بهذه الطريقة، فقال لهم الإمام: بايعنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على النُّصح لكل مسلم، النصح: لا الغش ، النصح : لا النَّصْب والخداع.







