إنَّ المُعلم حقا من يرى في تلاميذه وطلاَّبه مستقبله وصدقته الجارية، يراهم قرة عينه وثمرة فؤاده وبهجة قلبه، غايته أن يكونوا أعلاما ينشرون الخير وينالون الدرجات العلا، إنه يجهد من أجلهم، ويتعب لإفادتهم ونفعهم.
الإمام أبو حنيفة قصته عجيبة في انصرافه عن التجارة إلى طلب العلم، وكان من تدبير الله تعالى له أن رآه الإمام الشعبي يتردد كثيرا على السوق للتجارة فقال له : عليك بالنظر في العلم ومجالسة العلماء، فإني أرى فيك يقظة وحركة.
قال: فوقع في قلبي من قوله، فتركت الاختلاف إلى السوق، وأخذت في العلم، فنفعني الله بقوله.
وهكذا أهدى الإمام الشعبي للعالَم فقيه الدنيا أبا حنيفة رحمه الله.
وكم من ذَهَب مخبوء، وكم من كنوز مدفونة تنتظر المتوسمين ليخرجوها للوجود فتنتفع بها الكائنات.
لكن كيف كانت علاقة الإمام أبي حنيفة بتلاميذه؟
يقول الإمام محمد أبو زهرة: وكان لتلاميذه مكانة الأحباب في قلبه، حتى إنه كان يقول لهم: أنتم مَسارّ قلبي وجلاء حزني.
كانت علاقته بهم علاقة الأب بأولاده، فيواسى المحتاج منهم بماله حتى أنه كان يزوج من يبلغ منهم سن الشباب وليس عنده ما يكفيه. كما كان يتعهدهم بالنصح والإرشاد.
تتلمذ الإمام الشافعي على الإمام مالك تسع سنوات، وكان من فراسة الإمام مالك ما رواه الشافعي قائلا: لما سِرْتُ إلى المدينة ولقيت مالكا وسمع كلامي نظر إلي ساعة وكانت له فراسة، ثم قال: ما اسمك؟ قلت: محمد ، قال: يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن.
وهذا هو المعلم المربي الذي يَنْفذ إلى عمق تلميذه فيحسن توصيته وتوجيهه.
من دلائل عظمة الإمام مالك أن الإمام الشافعي ألَّف كتابا بعد ذلك سمَّاه : “خِلاف مالك ” خالف فيه شيخه في مسائل عديدة.
ومن دلائل عظمة الإمام مالك وجلال قدره، أن ينتج إماما عظيما مثل الشافعي، ولم يجعل من حبه وإجلاله لشيخه وعلو مكانته في قلبه مانعا من مخالفته، ذلك لأن التلميذ إذا شبَّ عن الطوق وأصبح ذو قدرة ومُكْنة على الاجتهاد، فهذا من أدلة قوة المعلم ورسوخه كما هي شهادة له بجودة تعليمه وتربيته، والأستاذ حقا يسعد بمخالفة تلاميذه له حينما ينطلقون من اجتهاد ونظر ودليل، ويبقى الحب والتقدير مصون الجناب رفيع العماد.
ومن عجيب أمر تلك العلاقة بينهما، فإنك لا تدري مَن المُعلم ومن التلميذ، فالإمام أحمد يرفض أن يجلس مُعلما فترة إقامة الشافعي ببغداد.
رُوي عنه أنه كان يدعو في سجوده كل صلاة: رب اغفر لي ولوالدي ولمحمد بن إدريس الشافعي.
أمَّا عن الخُلق الرفيع والنَّفْس العالية للإمام الشافعي فارع سمعك الآن: كان الشافعي يكثر من زيارة أحمد فقيل له: يزورك أحمد وتزوره؟قلت المكارم لا تفارق منزله، إن زرته فلفضله، وإن زارني فبفضله، فالفضل في الحالين له.
يا الله على النفوس العالية الكبيرة والقلوب الفسيحة، إنه السباق نحو الرضوان الأكبر. #وهكذا مضت علاقة كثير من العلماء بتلاميذهم عبر التاريخ والأمثلة كثيرة، ولعلنا نقف على بعض منها في عصرنا.
ما أريد قوله في الخاتمة أن المُعلم بصدقه وذكائه وحرصه وقدوته وعلو هِمته وعُمق رسالته التي يحملها يستطيع أن يكتشف المعادن ويوجهها وينميها ويطورها ويخرج للأمة والإنسانية كنوزا مخبوءة، محتسبا كل جهد ووقت ومال عند رب العالمين ذخرا ليوم اللقاء.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يارب العالمين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا







