جريدة الأمة الإلكترونية
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تقارير
    • انفرادات وترجمات
  • الأمة الثقافية
    • سير وشخصيات
  • أمة واحدة
  • آراء
    • مقالات
    • بحوث ودراسات
    • منبر الأمة
    • قالوا وقلنا
  • حوارات
  • الأمة الرياضي
  • مرئيات
  • معلومات الجهة الناشرة
No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تقارير
    • انفرادات وترجمات
  • الأمة الثقافية
    • سير وشخصيات
  • أمة واحدة
  • آراء
    • مقالات
    • بحوث ودراسات
    • منبر الأمة
    • قالوا وقلنا
  • حوارات
  • الأمة الرياضي
  • مرئيات
  • معلومات الجهة الناشرة
No Result
View All Result
جريدة الأمة الإلكترونية
No Result
View All Result
Home آراء بحوث ودراسات

د. عبد الغني الغريب راجح يكتب: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن

د. عبد الغنى الغريب by د. عبد الغنى الغريب
18 أكتوبر، 2025
in بحوث ودراسات
0
د. عبد الغني الغريب راجح

د. عبد الغني الغريب راجح

كان هدف الإسلام الرئيس: صياغة مجتمع أخلاقي يتسم أفراده بقيم عالية في السلوك والتعامل.

ومن أجل تحقيق ذلك، وضع الإسلام منظومة من الآداب والقيم تنبني عليها شخصية الفرد المسلم وتحكم علاقاته مع الآخرين. فالمسلم مطالب بأن يحسن معاملته في كل شيء، بدءًا بمعاملته مع الله، وانتهاءً بمعاملته مع الناس.

أحاديثه صلى الله عليه وسلم تقرر أن أقرب الناس منزلة منه: أحاسنكم أخلاقًا.

“إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا، وإنَّ مِن أبغضِكُم إليَّ وأبعدِكُم منِّي يومَ القيامةِ الثَّرثارونَ والمتشدِّقونَ والمتفَيهِقونَ”. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، قد علِمنا الثَّرثارينَ والمتشدِّقينَ، فما المتفَيهقونَ؟ قالَ: “المتَكَبِّرونَ” (الترمذي).

أحاديثه صلى الله عليه وسلم تقرر أن الدين: حسن الخلق.

“يا رسولَ اللَّهِ، ما خيرُ ما أُعطِيَ العبدُ؟ قالَ: خُلُقٌ حسنٌ” (الترمذي).

إن الإسلام لا يحتاج إلى فصاحة لسان وقوة بيان بقدر ما يحتاج إلى قدوة عملية تثبت أن هذا الدين كامل من كل جوانبه. فالانفصام بين القول والعمل، وبين العقيدة والشريعة، وبين الإيمان والأخلاق، وبين إسلام العبادة وإسلام المعاملة، أضاع الدين والدنيا معًا.

للأسف الشديد، فإن هذا الانفصام يعيشه أغلب المنتسبين إلى هذا الدين إلا من رحم ربك. ولذلك أقول للبعض ممن ينتسبون إلى الإسلام زورًا وبهتانًا، وكانوا عامل هدم لا عامل بناء: قبل أن تُطلق لحيتك، قَصِّر يدك عن أموال الناس وحقوقهم.

وقبل أن تُنظف أسنانك بالسواك، تذكر أنه حرام أن تشحذها لتلوك لحوم الناس بها، وتأكل في أعراضهم ليل نهار بالغيبة والنميمة، والحديث في أعراض الناس بالباطل.

وقبل أن تُصلي صلاة الضحى وتتباهى بها أمام الموظفين، اعدل بين الرعية في عملك، وطهِّر قلبك، وافرح بنجاح غيرك كأنه نجاح لك، وصفِّق للفائزين كأنك تُصفِّق لنفسك، واسعد بصفقة التاجر كأنها صفقتك، وبوظيفة جارك كأنها وظيفتك، فالنظر إلى ما في أيدي الناس سهم مسموم، يُصيبك في قلبك قبل أن يُصيب الناس.

الدين قبل أن يكون مظهرًا فهو جوهر، كلاهما مهم لا شك في ذلك، ولكن ما أقبح مظهر الدين على قلب فاجر، وما أحلى القلب النقي وإن لم يكن عليه شيء من مظهر الدين.

الشيخ الغزالي أتاه شاب يسأل مرارًا: ماذا يفعل بإصبعه السبابة بعد التشهد؟

فقال له الشيخ: “اقطعها”.

والحقيقة أن الشيخ لم يكن يستهزئ بالسائل، ولكن بالسؤال، ويقدّم علاجًا حقيقيًا للسطحية والاختزال التي وقع فيها، حتى أصبح محتارًا ماذا يفعل بإصبعه التي رفعها للتشهد بعد الانتهاء منه، وكأنها قضية إيمان أو كفر.

مولانا الغزالي رحمه الله سبق أن قال: المسلمون الآن مصابون بتديّن الشكل، لا تديّن الموضوع، والدين عندما يتحوّل إلى طقوس ومراسم يفقد قيمته، لأن الدين قبل كل شيء قلب حي، وضمير يقظ، وسريرة نظيفة.

الدين خُلُق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين، ونحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.

قال لقمان لابنه: يا بني، احذر واحدة هي أهل للحذر: إياك أن تُري الناس أنك تخاف الله، وقلبك فاجر.

وما أجمل أن يكون المسلم سارقًا للقلوب بأخلاقه الرفيعة، ومعاملته الحسنة، ولسانه العفّ، وطيبته وتواضعه وصدقه مع الناس، فسارق القلوب كما قالوا لا تُقطع يده، كما يقول د. أدهم شرقاوي.

بالتي هي أحسن

لقد أمر الله تعالى عباده أن يتخيروا من الألفاظ أحسنها، ومن الكلمات أجملها عند حديث بعضهم لبعض حتى تشيع الألفة والمودة، وتندفع أسباب الهجر والقطيعة والعداوة، فقال الله تعالى:

(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) (الإسراء: ٥٣).

يقول الشيخ السعدي رحمه الله: وهذا من لطفه بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة، فقال: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وهذا أمر بكل كلام يقرب إلى الله من قراءة وذكر وعلم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين فإنه يؤمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما.

والقول الحسن داعٍ لكل خلق جميل وعمل صالح، فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره.

وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) أي يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم.

فدواء هذا ألا يطيعوه في الأقوال غير الحسنة التي يدعوهم إليها، وأن يلينوا فيما بينهم لينقمع الشيطان الذي ينزغ بينهم، فإنه عدوهم الحقيقي الذي ينبغي لهم أن يحاربوه، فإنه يدعوهم (ليكونوا من أصحاب السعير).

وأما إخوانهم، فإنهم وإن نزغ الشيطان فيما بينهم وسعى في العداوة، فإن الحزم كل الحزم السعي في ضد عدوهم، وأن يقمعوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي يدخل الشيطان من قبلها، فبذلك يطيعون ربهم ويستقيم أمرهم ويهدون لرشدهم.

الكلام مسطور ومحفوظ، إنها حقيقة قررها القرآن الكريم في العديد من المواضع والآيات، كي يكون الإنسان حسيبًا على نفسه، مراقبًا للسانه، يقول الله عز وجل:

(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: ١٨).

ولما حكى الله عز وجل عن اليهود بشاعة أقوالهم عقب فقال سبحانه وتعالى:

(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران: ١٨١).

وأخبر الله عز وجل أن الملائكة تُحصي على الناس أقوالهم وتكتبها، فقال:

(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف: ٨٠).

والآيات في هذا كثيرة جدًا، والمقصود تنبيه العباد إلى أن ما يصدر عنهم من أقوال يُكتب، فإما لهم وإما عليهم، فإذا التزم الإنسان القول الحسن في جميع أحواله لم يُكتب في صحيفته إلا الخير الذي يسره يوم القيامة.

عوّد لسانك الخير

لقد حثّ الشرع المطهر الناس على انتقاء الألفاظ الطيبة التي تدخل السرور على الناس، فقال الله عز وجل:

(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: ٨٣).

ولم يبح الله عز وجل لعباده الجهر بالسوء إلا في أحوال محددة كحالة التظلم، فقال:

(لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا) (النساء: ١٤٨).

قال يحيى بن معاذ: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال لتكون من المحسنين:

إحداها إن لم تنفعه فلا تضره، والثانية إن لم تسره فلا تغمه، والثالثة إن لم تمدحه فلا تذمه.

وقد كان الصالحون يتعاهدون ألسنتهم فيحرصون على اختيار الألفاظ والكلمات التي لا يندمون عليها، فرأينا منهم عجبًا.

هذا الأحنف بن قيس يخاصمه رجل فيقول له: لئن قلت واحدة لتسمعن عشرًا.

فقال الأحنف: لكنك والله لو قلت عشرًا ما سمعت واحدة.

ورأى عيسى عليه السلام خنزيرًا فقال: “مرَّ بسلام”.

فقيل له: تقول هذا لخنزير؟

قال: أعود لساني الخير.

أما العلامة تقي الدين السبكي فسمع ولده العلامة تاج الدين يقول لكلب: يا كلب بن كلب.

فنهاه عن ذلك، فقال: أليس كلب بن كلب؟

فقال: شرط الجواز عدم التحقير.

إننا وإن كنا مطالبين باللين في القول وإحسانه للناس كافة، فإن هذا المطلب يتأكد في حق أصناف من الناس هي الأولى بهذا الخلق، ومن هؤلاء:

الوالدان

فأحق الناس بالتعامل معهم بهذا الخلق الكريم الوالدان اللذان أمر الله ببرهما والإحسان إليهما، ومن الإحسان إليهما اختيار الطيب من الأقوال عند الحديث إليهما:

(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء: ٢٣).

وقد كان كثير من السلف إذا تكلم مع أمه لا يُكاد يُسمع من شدة حرصه على خفض صوته تأدبًا.

وكان بعضهم يمر كل يوم على أمه فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرًا.

وكان بعضهم يتأدب في الكلام مع والديه كأنه أسير لديهما.

وإننا لنعجب اليوم من حال شباب وفتيات يتعاملون مع الآباء معاملة فظة، فيرفعون أصواتهم وينهرونهم ويسيئون إليهم ويؤذونهم بمنطقهم السيئ، حتى لو أن إنسانًا رآهم ولم يكن يعلم أن هذا هو الوالد أو أن هذه هي الأم، لظن أنهما خادمان يعملان لدى الأبناء، من شدة غلظة وقسوة الألفاظ التي يستخدمها بعض الأبناء مع الوالدين.

الزوجان

مما لا شك فيه أن الأساس الذي تُبنى عليه البيوت هو الرحمة والمودة:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: ٢١).

فيحتاج الزوجان لاختيار أحسن الألفاظ للتخاطب بها، ولإبداء مشاعر الحب والرحمة تجاه بعضهما.

وانظر إلى هذا الحديث الحاني بين النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة حين يقول لها:

“إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ عليَّ غضبى.”

قالت: فقلتُ: من أين تعرف ذلك؟

فقال: “أما إذا كنتِ عني راضية، فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنتِ غضبى قلتِ: لا ورب إبراهيم.”

قالت: قلتُ: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك.

فأي رحمة هذه، وأي منطق حسن هذا!

وحين قال لها صلى الله عليه وسلم: “ذريني أتعبد الليلة لربي”، قالت: “والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك.” فما أحسن الطلب، وما أحسن الجواب.

وتشتد حاجة الزوجين إلى هذا الخلق عند ثورة الغضب وسبق اللسان بالخطأ والزلل من أحدهما تجاه الآخر، وما أحسن ما قاله أبو الدرداء رضي الله عنه لزوجته في بداية أمرهما: “إن لقيتني غضبان فرضِّني، وإن لقيتكِ غضبى رضيتكِ، وإلا فلنفترق.”

وانظر إلى مالك بن دينار الذي غضبت زوجته يومًا فقالت له: يا منافق.

فأحسن التصرف وفوّت على الشيطان الفرصة، فقال لها: ما عرف اسمي إلا أنتِ.

هكذا ينبغي للمسلم أن يتعهد لسانه وألا يقول إلا خيرًا، وصدق الله القائل:

(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: ١١٤).

جاء رجلٌ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا رسولَ الله، مَن أحَقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟

قال: “أمُّك.”

قال: ثم مَن؟

قال: “ثم أمك.”

قال: ثم مَن؟

قال: “ثم أمك.”

قال: ثم مَن؟

قال: “ثم أبوك.” (البخاري).

وجاء رجلٌ قد قتل نفسًا إلى عبد الله بن عباس فقال له: هل للقاتل من توبة؟

فقال له: أُمك حية؟

قال: لا.

قال له ابن عباس: أكثر من الاستغفار.

فلما ذهب الرجل، سأله تلميذه عطاء بن يسار: يا ابن عم رسول الله، رأيتك سألته عن أمه؟

فقال: ما أعلم شيئًا أحب إلى الله من بِرّ الوالدة.

وجاء في الأثر أن فرعون –على طغيانه وجبروته– كان من أشد الناس بِرًّا بأمه، وأن الله سبحانه بقي يؤخر عنه العذاب لبِره بها، فلما ماتت أمه أخذه أخذ عزيز مقتدر.

لا أحد أوفى من الله، ولحبِّه للوفاء أمر ببِرِّ الوالدين، وخصوصاً الأم، وذلك لأنها في أصل خلقتها أضعف من الرجل في بنيتها الجسدية، وتحمل وهناً على وهن، ورغم ذلك تُعطي أكثر! ولأن غالب النساء إنما يتزوجن في غير أهلهنَّ، فالبِرُّ بها تعويضٌ عن غربتها عن أهلها، وهذه نقطةٌ حبذا لو ينتبه إليها الأزواج.

الأمهات هُنَّ اللاتي صنعنَ لنا أبطال هذه الأُمَّة.

كانت أمُّ الإمام أحمد تُوقظه في ليالي بغداد الباردة، فتُدفي له الماء ليتوضأ، ثم تصحبه إلى المسجد لصلاة الفجر، ثم ترجع به إلى البيت. فلمَّا كبر حفظَ اللهُ به الإسلام يوم فتنة المعتزلة والقول بخلق القرآن.

ونشأ البخاري يتيماً في حجرِ أمه، فربَّته أحسن تربية، وحثته على طلب العلم، وسافرتْ معه، وأنفقتْ عليه حتى اشتدَّ عوده وفتحَ الله عليه بصحيح البخاري.

ومات أبو الشافعي وهو صغير، فرفضتْ أمه الزواج لتربيته، وتركتْ أهلها في غزة وجاءتْ إلى مكة حفاظاً على نسبه الشريف لأنه كان من أهل البيت، وبقيتْ ترعاه حتى أقرَّ الله عينها ورأته كما يقول عنه الإمام أحمد: كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس.

ومات أبو سفيان الثوري وهو صغير، فأراد أن يعمل ليُعيلها، فقالت له: لا، اُطلُبْ العلمَ وأنا أكفيك بمغزلي. وبقيت تغزل وتُنفِق عليه وعلى نفسها حتى صار عَلَماً من أعلام المسلمين.

فالزموا أقدام أمهاتكم، فثمَّ الجنة.

كذلك الصدقة حين تخرجها، الصدقة لك وإن بدا أنها للفقير، والكلمة الحلوة لك وإن أسعدت غيرك، وجبر الخواطر لك وإن كان أثره على الناس.

أنت لا تغرف وتملأ دلاء الآخرين، في الحقيقة أنت تملأ دلوك.

مُعالج المريض في الحقيقة يعالج نفسه، والساعي على الأرملة والمسكين ساعٍ على نفسه، والماشي في حاجة إنسان إنما يمشي في حاجته.

ومن المفارقات العجيبة أننا لن نخرج من الدنيا بما أخذناه، وإنما بما أعطيناه.

﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

كان شعار خير البشر صلى الله عليه وسلم.

هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتأذى ويضيق صدره من أقاويل البشر التي استهزأت به وكذبته وألقت عليه التهم زوراً وبهتاناً حتى نعتوه بالجنون، وهو الصادق الأمين صاحب الإيمان والعقل.

ولكنه صبر، فواساه الله في قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: 97-98].

فكيف بنا نحن، بجبلتنا البشرية ومزاجنا الإنساني، وما هو المآل الذي سنصبح عليه لو وُجِّه إلينا ما نكره من القول من سفيهٍ لم يقوَ على ضبط نفسه، أو جاهلٍ لم يُدرِك ذاتَه، أو متطاولٍ لا يخاف الله؟

مهما كان الحقُّ معكَ — كما يقول د. أدهم شرقاوي — وحجتك دامغة، فالأسلوبُ أولاً، لأن الأسلوب الخشن يُنفِّر الناس ولو كان مضمون الكلام صواباً.

إن الأسلوب الفج القاسي يبني جداراً بينك وبين الناس، وهذه حقيقة أقرَّها القرآن الكريم، ألم يقل الله تعالى لنبيه الكريم:

﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

لقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بأصحِّ فكرة في تاريخ البشرية، ألا وهي التوحيد، وأصدقِ مضمونٍ، ألا وهو الإسلام، وأنبلِ مهمةٍ، ألا وهي إيصال الخلق إلى الله. ورغم هذا يُخبرُه ربه أن كل هذا لم يكن ليتحقق لولا لِينِه ورحمتِه ورقةِ قلبه.

فمهما كانتْ فكرتُكَ صائبةً، لن تكون أصوب من فكرة التوحيد، ومهما كان مضمونُكَ صادقاً، لن يكون أصدق من الإسلام، ومهما كان قصدُكَ نبيلاً، فلن يكون أنبل من إيصالِ الخلقِ إلى ربِّهم، وبهذا كله كان الأسلوب قبل المضمون.

النصحُ لا يستغني عن اللُّطف، فإذا استغنى عنه صار هجاءً ولم يعُدْ نُصحاً.

أيُّ نُصحٍ في أن تقولَ لتاركِ الصلاة: أنت كافر وسوف تتعذَّب في قبرك وتدخل النار؟

وأيُّ نُصحٍ في أن تقولَ للسافرة: لماذا أنتِ رخيصة ينظر إليكِ من هبَّ ودبَّ، وماذا تفرقين عن الغانيات؟

وأيُّ نُصحٍ في أن تقولَ لتاركِ الصيام: أنتَ كالدابة لا همَّ لكَ إلا بطنك، لو كنتَ إنساناً لتركتَ الطعام لأجل ربك؟

نعم، علينا أن نُنكرَ المُنكرَ، وأن ندعوَ العُصاةَ، وأن نُبيِّنَ الحقَّ للناس، ولكن لا ندعو إلى الله إلا بما يُرضي الله.

فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمره الله ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44].

قرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ فبكى يحيى، وقال: إلهي، هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟

وفي زمن المنصور، صدر من بعض نصارى الشام تمرُّد، فأراد أن يهدم كل كنائس النصارى في بلاد الشام، فقال له الإمام الأوزاعي: يا أمير المؤمنين، لا تغضبْ لله بما يُغضِبُ الله.

أرأيتَ؟ حتى الغضبَ لله له أدب وضوابط.

لقد كان الصالحون يتعهدون ألسنتهم، فيحرصون على اختيار الألفاظ والكلمات التي لا يندمون عليها.

ورأى عيسى عليه السلام خنزيراً فقال: مُرّ بسلام.

فقيل له: تقول هذا لخنزير؟

قال: أُعوّد لساني الخير.

وما أصدق ما قاله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:

«لا يَسْتَقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يَستَقيمَ قلبُه، ولا يَستَقيمَ قلبُه حتَّى يَستَقيمَ لسانُه، ولا يدخُلُ الجنةَ رجُلٌ لا يَأمَنُ جارُه بَوائِقَه.»

— صحيح الترغيب والترهيب.

Tags: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُد. عبد الغني الغريبشخصية الفرد المسلمصياغة مجتمع أخلاقي
ShareTweet
حمل تطبيق الأمة على جوجل بلاي حمل تطبيق الأمة على جوجل بلاي
ADVERTISEMENT
د. عبد الغنى الغريب

د. عبد الغنى الغريب

‏رئيس قسم العقيدة والفلسفة‏ بكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية - جامعة الأزهر بالزقازيق

Related Posts

د. عطية عدلان.. باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية
بحوث ودراسات

د. عطية عدلان يكتب: إحياء التصوف المنحرف.. الدوافع والمآلات

4 نوفمبر، 2026
محمد نعمان الدين الندوي.. مدير معهد الدراسات العلمية ندوة العلماء، لكناؤ، الهند
بحوث ودراسات

محمد نعمان الدين الندوي يكتب: جوانب من العبقرية والإبداع في لغة الضاد (1)

2 نوفمبر، 2026

ابقَ على تواصل

  • 23k Fans
  • 1000 Followers
  • 2.3k Subscribers
Plugin Install : Widget Tab Post needs JNews - View Counter to be installed
  • Trending
  • Comments
  • Latest

عامر عبد المنعم يكتب: المسلمون يعودون لمسرح السياسة العالمي

5 نوفمبر، 2026

إبراهيم أبو عواد يكتب: عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية

5 نوفمبر، 2026
د. أحمد زكريا.. كاتب وباحث

د. أحمد زكريا يكتب: من الجونة إلى ناسا.. الفرق بين من تعرّت ومن ارتقت!

4 نوفمبر، 2026
د. عبد الكريم بكار.. كاتب سوري في مجالات التربية والفكر الإسلامي

د. عبد الكريم بكار يكتب: التخلص من الملهيات شرط للإنجاز العالي

4 نوفمبر، 2026

أحدث المستجدات

عامر عبد المنعم يكتب: المسلمون يعودون لمسرح السياسة العالمي

5 نوفمبر، 2026

إبراهيم أبو عواد يكتب: عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية

5 نوفمبر، 2026
د. أحمد زكريا.. كاتب وباحث

د. أحمد زكريا يكتب: من الجونة إلى ناسا.. الفرق بين من تعرّت ومن ارتقت!

4 نوفمبر، 2026
د. عبد الكريم بكار.. كاتب سوري في مجالات التربية والفكر الإسلامي

د. عبد الكريم بكار يكتب: التخلص من الملهيات شرط للإنجاز العالي

4 نوفمبر، 2026

حمّل التطبيق الآن

تحميل التطبيق من Google Play تحميل التطبيق من App Store

القائمة

  • آراء
  • آفاق
  • أخبار
  • أسواق وعملات
  • أمة واحدة
  • أمن الطاقة
  • إيران
  • استثمار
  • اقتصاد
  • الأمة الثقافية
  • الأمة الرياضي
  • انفرادات وترجمات
  • بحوث ودراسات
  • بورصة
  • تقارير
  • حوارات
  • راديو الأمة
  • سلايدر
  • سياسة
  • سير وشخصيات
  • شركات وريادة أعمال
  • قالوا وقلنا
  • مرئيات
  • منبر الأمة
  • منوعات
  • نقل وملاحة

آخر الأخبار

عامر عبد المنعم يكتب: المسلمون يعودون لمسرح السياسة العالمي

5 نوفمبر، 2026

إبراهيم أبو عواد يكتب: عجز الجوائز الأدبية عن إيصال الكاتب العربي إلى العالمية

5 نوفمبر، 2026

© 2025 All copyright reserved for 3bdouahmed. E-mail: [email protected]

No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • تقارير
    • انفرادات وترجمات
  • الأمة الثقافية
    • سير وشخصيات
  • أمة واحدة
  • آراء
    • مقالات
    • بحوث ودراسات
    • منبر الأمة
    • قالوا وقلنا
  • حوارات
  • الأمة الرياضي
  • مرئيات
  • معلومات الجهة الناشرة

© 2025 All copyright reserved for 3bdouahmed. E-mail: [email protected]