يصف علم النفس الحديث “النرجسية” بأنها “ثقة هشَّة مقنعة بالتفوق”. يقول الطبيب النفسي البارز الدكتور جوزيف بورغو في كتاب “الدفاع عن نفسك ضد النرجسيين المتطرفين”: “النرجسية مشكلة أكبر وأخطر من مجرد الرغبة في الظهور وجذب الأنظار”، مؤكدًا أن “النرجسيين الحقيقيين أكثر سُميَّة، ولديهم أنماط مختلفة، تؤثر عليك بطرق عدة، عندما يتفاعلون معك.
يستطرد “بورغو” في تعريف “النرجسية” قائلاً: “النرجسية اضطراب في الشخصية، يتسم صاحبُها بإحساس متضخم ومستمر بأهمية الذات”، ناصحًا بتجنب الترجسيين وعدم مرافقتهم على أي حال!!
في أطروحته المنشورة في عام 1914 بعنوان “مقدمة إلى مفهوم النرجسية”.. يقطع عالم النفس سيجموند فرويد بأن “الشخص النرجسي يتميز بالغيرة من الآخرين، والعجرفة عليهم، وفرط الحساسية تجاه آرائهم، وعدم تقبلها، بالإضافة إلى السخرية منها”.
النرجسي شخص متورم، يمتلك شعورًا متضخمًا بأهميته، ويستحوذ عليه وهم النجاح والتألق والانشغال في المبالغة بإنجازاته.
يعتمد الشخص النرجسي على الآخرين في حصوله على قيمته الذاتية، كما يعتقد بكونه شخصًا أساسيًا وذا أهمية قصوى في حياة من حوله، حيث لا يقوى أحد على الاستغناء عنه. النرجسي يفتقر إلى الاستقرار النفسي والسلام الداخلي. خلف كل قناع من العظمة والتفوق يرتديه النرجسي، توجد هشاشة لا تخفى على أحد.
إنَّ إحساس النرجسي بالاستحقاق متطرف مع توقعات غير معقولة بمعاملة تفضيلية لا يعطيها لأحد. النرجسي ليس لديه ذات حقيقية تُتيح له معرفة هويته، وكلما نظر بداخله لا يجد إلا هذا التفكُّك والخواء والفراغ حد التصحر؛ لذا يهرب دائمًا ويستمد قوته من الخارج ومن الآخرين ولو بالزيف والتدليس والتلفيق، كأن يكتب مقالاً بالذكاء الاصطناعي ثم ينتظر أن يصفق له الناس ويباركوا له لصوصيته! إمداد النرجسي يأتي من غيره؛ كونه طُفيليًا لا يصلح للبقاء إلا بوجود المُعيل له!
ولأن النرجسي يحب نفسه فقط، فإنه لن يسمح لك بالتألُّق. إذا كنت شريكًا مع نرجسي، فيجب ألَّا تتألق، ولا تنجح ولا تتفوق، هذا يُثير غيرته وحقده وحسده، ثم يزداد إساءةً إليك وإيذاءً. نَفْسُ النرجسي المظلمة تبحث عن النقاء بداخلك لتقضي عليه. الشخص النرجسي يستفز الضحية ويخرج أسوأ ما فيها، ثم يُشيع بين الناس أن هذه حقيقتها.
ينظر الإسلام إلى النرجسية باعتبارها مرادفًا للكبر والغرور والتعالي وحب الذات المفرط، وجميعها صفات مذمومة وسامَّة، وتعارض التواضع الذي يحث عليه. تعتبر النرجسية بمفرداتها من سِمات أهل الجاهلية الأولى. الإسلام نهى عن التعالي وتضخيم الذات. القرآن الكريم شدد في غير موضع على أن الله لا يحب المغرورين والمتكبرين والمتعالين والذين يُصعِّرون خدودهم للناس والذين يمشون في الأرض مرحًا، رغم أنهم لن يخرقوا الأرض ولن يبلغوا الجبال طولاً..







