السُّؤْدُد كلمة عربية فصيحة تعني السيادة، والمجد، والشرف، وعلوَّ المكانة. وقد يظن بعض المشتغلين بالعلم أن سبيل الوصول إليها يكون بالارتقاء على أكتاف العلماء، أو بإظهار التفوق عليهم، أو بالطعن فيهم تصريحًا أو تلميحًا، وما علم أن السؤدد الحق أبعد ما يكون عن ذلك.
تذكرت هذا المعنى وأنا أقرأ هذه اللفتة البديعة التي أطلقها الإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله- في وصف السؤدد، فقلت في نفسي: ماذا عساه أن يقول لو أدرك زماننا؟
روى ابن عساكر في تاريخ دمشق أن عبد الله بن المبارك قال: قال النعمان لحاتم الطائي: من سيدكم؟ قال: أوس بن حارثة. قال: فأين أنت منه؟ قال: ما أصلح أن أكون مملوكًا له. ثم سأل أوسَ بن حارثة فقال: من سيدكم؟ فقال: حاتم الطائي. قال: فأين أنت منه؟ قال: ما أصلح أن أكون مملوكًا له. فقال النعمان: هذا السؤدد. فقال عبد الله بن المبارك: فأين قراؤنا وعلماؤنا من هذا؟
رحم الله ابن المبارك! فما أبلغ كلمته، وما أشد حاجتنا إليها اليوم؛ إذ إن السؤدد الحقيقي لا يصنعه تعظيم المرء لنفسه، ولا انتقاصه لغيره، وإنما تصنعه نفوسٌ عظمت في أعين الناس؛ لأنها صغرت في أعين أصحابها، فكلما ازداد العبد علمًا ازداد تواضعًا، وكلما علا قدره ازداد اعترافًا بفضل إخوانه، وذلك هو السؤدد الذي لا يُنال إلا بكمال الأدب، وحسن الخلق، وسلامة الصدر.







