أكتب هذه السطور وأنا أراقب كيف يتغير معنى المال كلما اشتعلت الحروب واقتربت أصواتها من حدود الاقتصاد.
لم يعد المال مجرد أرقام في حسابات مصرفية أو استثمارات طويلة الأجل، بل أصبح في زمن الأزمات أداة بقاء، ووسيلة نفوذ، وأحيانًا سلاحًا غير مرئي يُستخدم لتوجيه مسارات الصراع.
حين أنظر إلى ما يحدث في مناطق التوتر، من إيران إلى أوكرانيا، أجد أن المال يتحرك بسرعة تفوق تحرك الجيوش.
الأسواق تهتز قبل أن تبدأ المعارك، والعملات تتراجع قبل أن يُطلق الرصاص. هنا، أفهم أن الحرب الاقتصادية تسبق الحرب العسكرية، وربما تحسمها أحيانًا.
أتذكر ما قاله الخبير الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز حين أشار إلى أن «الحروب الحديثة تُدار بميزانيات مفتوحة، لكن نتائجها تُقاس بقدرة الاقتصادات على الصمود لا بعدد الانتصارات العسكرية».
هذه الفكرة تلازمني كلما رأيت دولًا تنهار ماليًا رغم تفوقها العسكري، وأخرى تصمد لأنها أحسنت إدارة مواردها.
من زاويتي، أرى أن المال في زمن الحرب يتحول إلى ثلاث طبقات:
الأولى هي المال السيادي، الذي تستخدمه الدول لتمويل العمليات العسكرية وتأمين احتياجاتها الأساسية.
الثانية هي المال المضارب، الذي يبحث عن الربح وسط الفوضى، فيرتفع مع النفط وينخفض مع العملات.
أما الثالثة فهي مال الناس العاديين، وهو الأكثر هشاشة، إذ يتآكل مع التضخم ويُستنزف مع ارتفاع الأسعار.
وقد لفت نظري تحليل الباحثة الاقتصادية الفرنسية أنييس بنعمار التي أكدت أن «أول ضحايا الحرب ليس الجنود فقط، بل الطبقة الوسطى التي تفقد قدرتها الشرائية تدريجيًا دون أن تلاحظ ذلك في البداية».
أجد في هذا القول دقة كبيرة، لأن آثار الحرب الاقتصادية تتسلل ببطء، لكنها تضرب بعمق.
وأنا أكتب، لا يمكنني تجاهل دور الطاقة، فهي قلب المال في زمن الحرب. ارتفاع أسعار النفط في الشرق الأوسط لا يعني فقط أرباحًا للدول المنتجة، بل ينعكس مباشرة على تكلفة الحياة عالميًا.
وهنا، يصبح المستهلك البسيط في أي مكان جزءًا من معادلة الحرب، حتى وإن لم يسمع صوتها.
كما أن العقوبات الاقتصادية أصبحت أداة رئيسية في هذا المشهد.
لم تعد الدول بحاجة إلى المواجهة المباشرة، بل يكفي أن تُعزل ماليًا لتبدأ في التآكل من الداخل. وقد أشار الخبير في العلاقات الدولية ريتشارد هاس إلى أن «العقوبات الاقتصادية سلاح بطيء لكنه فعال، إذ يعيد تشكيل سلوك الدول دون إطلاق رصاصة واحدة».
هذا التوصيف يلخص كثيرًا مما نشهده اليوم.
لكن ما يقلقني أكثر هو التحول في سلوك الأفراد. في زمن الحرب، يتجه الناس إلى تخزين المال أو تحويله إلى ذهب أو عملات أجنبية.
الثقة في النظام المالي تهتز، ويبدأ الجميع في البحث عن الأمان الشخصي بدل التفكير في النمو. وهنا، يدخل الاقتصاد في دائرة من الخوف، يصعب كسرها بسهولة.
أحيانًا أسأل نفسي: هل المال في زمن الحرب يُفسد القيم؟ الإجابة ليست بسيطة. هناك من يربح من الأزمات، وهناك من يخسر كل شيء.
شركات ترتفع أسهمها لأنها تبيع السلاح، وأخرى تنهار لأنها تعتمد على الاستقرار. وفي هذا التناقض، تتجلى قسوة الاقتصاد حين ينفصل عن الأخلاق.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن المال قد يكون أيضًا أداة للحل. إعادة الإعمار، المساعدات الدولية، والاستثمارات في السلام كلها تعتمد على تدفقات مالية ضخمة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل يأتي المال قبل السلام أم بعده؟ في تجربتي ومتابعتي، يبدو أن الاثنين يسيران في دائرة معقدة، كل منهما يغذي الآخر.
في النهاية، أجد نفسي مقتنعًا بأن المال في زمن الحرب ليس مجرد وسيلة، بل هو ساحة معركة بحد ذاته. من يمتلكه ويديره بذكاء، قد يربح دون أن يقاتل، ومن يهمله، قد يخسر حتى لو انتصر عسكريًا. وبين هذا وذاك، يبقى الإنسان العادي هو الحلقة الأضعف، يدفع الثمن بصمت.
هكذا أرى الصورة، وهكذا أكتبها: المال في زمن الحرب ليس محايدًا، بل منحاز لمن يفهم قواعده، وقاسٍ على من يتجاهلها.







