بعيدا عن قرار ترامب بتصنيف الإخوان جماعة إرهابية، والذي أعتقد أن آثاره العملية ـ إذا تم تطبيقه ـ ستكون محدودة، ولن تكون أكثر قسوة مما يحدث فعليا علي يد حكومات في الشرق والغرب حاليا، أدعو ـ بكل إخلاص ـ قيادات الجماعة ورموزها الكبيرة في مختلف الدول، وفي بلاد المهجر، إلي إجراء مراجعة تاريخية وواقعية ومستقبلية معا، شاملة وجادة وشجاعة، ومتحررة من العواطف وأسر العادات والإلف، لحساب تكلفة بقاء الجماعة بعد تجارب عديدة، لم تنجح فيها أي تجربة، طوال قرن كامل تقريبا (1928 ـ 2026)، قدمت فيها تضحيات ضخمة إنسانية ومادية دون أي ثمرات مكافئة تستحق، بخلاف نشاطات فكرية وإعلامية يمكن لأي مؤسسة ثقافية أو تربوية القيام بها.
يراجع كل ذلك مع حساب العائد المتصور والممكن من استمرارها، وذلك لمعرفة جدوي الاستمرار من عدمه في هذا المشروع الذي وصل مرحلة الشيخوخة والترهل علي النحو الذي نراه بأعيننا في دول عديدة وفي المهاجر المختلفة، ووصل إلي أفق مسدود تماما في العالم كله تقريبا، وهو أفق يسلم به اليوم الكثير من قادة الجماعة ورموزها ممن استمعنا إليهم أو سألناهم عن الخطوة التالية، أو المستقبل المنتظر، خاصة بعد الإخفاقات الأخيرة في أكثر من بلد، والحصار المتزايد والصارم، والتوجه الأممي لإنهاء فكرة وجود منظمات سياسية سرية ـ أو غير رسمية ـ عابرة للحدود، ويبدو العجز أكثر وضوحا في تسليم القادة بعدم القدرة علي مساعدة عشرات الآلاف من عناصر الجماعة المسجونة في سجون بلدان عديدة في المشرق والمغرب، ولا يملكون إلا الدعاء والمناشدات الإنسانية.
هل نأمل في دراسة إمكانية التفكير في بدائل أخري ـ أكثر حداثة وعصرية وانفتاحا ـ لخدمة الإسلام والمسلمين والإنسانية، غير مثقلة بميراث تاريخي سياسي وأمني معقد ومؤلم في أغلبه، حتي إذا اقتضت هذه المراجعات الشاملة إلي إعلان حل الجماعة وطي صفحتها وترك حرية الاختيار أمام أعضائها لأفكار ورؤي بديلة يخدمون بها أمتهم وبلدانهم، أي أن يكون الحل هو الحل؟!.
أعتقد أن مائة عام ـ منذ نشأة الجماعة في مدينة الإسماعيلية المصرية علي قناة السويس ـ كانت كافية ليتغير العالم كله، ظهرت مشروعات عالمية واندثرت، قامت امبراطوريات وسقطت، انهارت دول كبري وولدت قوي عظمي، ولدت دول وطمست أخري، ونشأت أحزاب كبري واندثرت، وولدت نظريات سياسية واقتصادية وماتت أخري، وظهرت أطر تنظيمية وسياسية وطويت أخري، وولدت أفكار وتحورت وماتت، وقامت انقلابات عسكرية غيرت بلدانها وفشلت أخري وخلفت فظائع، وولدت ثورة تقنية جعلت العالم كله عبارة عن قرية واحدة أو حي واحد، الكل يري الكل في اللحظة نفسها ويقرأه في اللحظة نفسها ويتواصل معه في اللحظة نفسها، مما غير أفكارا ومواقف وبدلها تبديلا، وتغير العالم كله تغييرا جذريا وشاملا عن اللحظة والأجواء والأوضاع والتحديات التي ولدت فيها فكرة جماعة الإخوان ومبرراتها وما استدعي ظهورها في حينه، ويستحيل ـ عقلا وواقعا ـ أن تكون هناك فكرة بشرية أو مشروع سياسي أو ديني أو تنظيمي محصن من هذا التغير الكوني، أو لا تسري عليها نواميسه.
فهل يمكن أن نري هذه الخطوة الشجاعة، وهل يمكن أن يتحلى قادة الجماعة بهذا القدر من الإحساس بالمسؤولية تجاه أبنائهم وأوطانهم وأمتهم ودينهم؟!.


