رابعا: توظيف التاريخ في فهم القرآن:
يقول الدكتور القرضاوي: “الشيخ قارئ جيد للتاريخ، مدرك لوقائعه الحاسمة وأحداثه الكبرى ومراحله المتلاحقة، وبخاصة التاريخ الإسلامي، وأسرار انتصار أمته وتفوق حضارته، ثم تراجع هذه الحضارة، وتخلف الأمة وتمزقها، وغلبة أعدائها عليها وأسباب ذلك”.
ويعرف الغزالي التاريخ بقوله: “التاريخ هو ذاكرة الأمة، ومستودع تجاربها ومعارفها، وهو عقلها الظاهر والباطن، وخزانة قيمها ومآثرها، وأساس شخصيتها الغائرة في القدم والممتدة مع الزمان”.
ويرى الغزالي أن لدراسة التاريخ أهمية قصوى في حياة الأمم والشعوب، وفي حياة المسلمين خاصة: إن ما وقع أمس لا يعني أصحابه وحدهم، يجب علينا أن نكترث به، وتفيد منه، ونوازن ونحكم، وإلا دفعنا ثمن جهالتنا من دمائنا واستقرارنا.
وقد أبان القرآن الكريم أن هناك عقلا يتكون من التجربة، ومن السير في الأرض، ومن الرحلة إلى الماضي، وبيًن أن الإنسان الذي تقوم معرفته على قراءات سريعة وأحكام نظرية أضعف حسا من إنسان له معاناة في الدنيا وتجارب مع الناس.
هذا العقل المتولد من الدراسة والمعاناة، وهو الذي يشير إليه القرآن الكريم عندما يقول: (أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ) (الحج: 46).
وقد تساءل القرآن الكريم مستنكرا حال قوم يمرون بآثار الماضين الهالكين ثم لا يرعوون: (وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا (39) وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ) (الفرقان :40).
ومن هنا نجد أن دراسة التاريخ فريضة دينية، وهي الى جوار ذلك فريضة إنسانية، بل إنني بعد التأمل في تاريخ المسلمين القريب والبعيد – أشعر بأنها ضرورة بقاء، وسياج لحياتنا ورسالتنا إذا كنا حراصا على صون حياتنا وتبليغ رسالتنا”.
فـ “دراسة التاريخ ليست نافلة يتطوع بأدائها من يشاء، إنها ضرورة دينية واجتماعية تقوم بها الأمم الحية، ولو أن مؤسسة تجارية غفلت عن حساب الأرباح والخسائر، وارتجلت أعمالها ذاهلة عن ماضيها وتجاربها، لأغلقت أبوابها على عجل، وانسحبت من الأسواق لتكون ذكرى.
والوعي القاصر في التاريخ السياسي للأمم لا يساويه إلا الوعي القاصر في التاريخ العلمي والحضاري”.
والغزالي لا يعيب على المسلمين غفلتهم عن دراسة التاريخ فحسب، وإنما يعيب عليهم أيضا طريقتهم في دراسته إذا درسوه، وفي هذا يقول: “العيب في دراسة التاريخ، أننا نطالع صفحات التاريخ لنقرأ أنباء الانتصارات والهزائم وأخبار المواليد والوفيات، ولكن التاريخ شيء آخر وراء هذا الظاهر، وهو أن تعرف ما المقدمات التي انتظمت حتى انتهت بالنصر أو بالهزيمة، وما هي العوامل التي تجمعت فجعلت فترة من فترات التاريخ تُزهر، وفترة أخرى تُجدب وتقشعر ولا ترى في جوانبها ما يشرح صدرا أو يسر عينا”.
فالغزالي يعتبر أن أي توظيف للدراسة التاريخية ينبغي أن ينصب على البحث عن الأسباب الخفية والظاهرة للحادثة التاريخية، وكيف ينبغي أن نستفيد من معرفة هذه الأسباب في الحاضر والمستقبل.
وقد وظف الغزالي معرفته التاريخية في تفسير كتاب الله -عز وجل- وكان في كل مرة يرجع إلى التاريخ ليستخلص منه الدروس الواقعية التي تأتي خلاصاتها مجملة في الآيات والسور القرآنية.
من ذلك ما أورده في تفسيره لسورة المائدة عند حديثه عن أهل الكتاب، النصارى منهم خاصة، وما خوطب به النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه السورة بشأنهم، حيث يروي -في إيجاز- قصة الود الذي كان بين أتباع المسيحية والإسلام منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكيف تحول هذا الود إلى صراع مرير ظل يشتد مع الأيام، قال : النزاع المرير الذي يسود العالم الآن هو بين الإسلام الذي يصف الله بالوحدانية المطلقة، ويعد ما عداه في الأرض والسموات ملكا له، خاضعا لعز جلاله ومجده، الملائكة والأنبياء والبشر كلهم يجثون خاضعين للواحد القاهر… وبين مسيحية استحدثها الغلاة، وعبدوا فيها ثلاثة، وزعموا بعدئذ أن الثلاثة واحد.
من أجل ذلك يتجه الخطاب الإلهي لمحمد: (قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ) (المائدة: 77)
ويظهر أن هذا النزاع سوف يبقى حتى قبيل الساعة إذ يُنزل الله عبده عيسى ليحسمه بإعلانه عبوديته لله، ومقاتلته من جعلوه لله ندا.
والفكر النصراني منقسم على نفسه انقساما واسعا، وقد عرف العالم الحروب الدينية من خلال هذا الانقسام، وهي حروب ظلت عدة قرون سُفكت فيها الدماء بغزارة، ولم ينج الناس من غوائلها إلا بعد تجريد الكنيسة من سلطان الدولة.
ومع ذلك فقد اصطلحت المذاهب المعزولة وتجمعت في هذا العصر كي تكيد الإسلام. فاليهود يقتلون عرب فلسطين، والهنادك والبوذيون يقتلون المسلمين في جنوب آسيا، والاستعماريون الجدد يقاتلون سائر المسلمين أو يشنون عليهم غزوات ثقافية واقتصادية ونحن نتدبر بعمق هذه الآية الكريمة: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ) (المائدة : 82، 83).
إن التاريخ يروي لنا ما حدث في عصر البعثة، كان مشركو مكة ويهود المدينة أشد الناس بأسا في عداوة الإسلام، على حين كان المسلمون يؤملون الخير في نصارى الحبشة والروم.
وقد صرحوا بأن هزيمة الفرس للروم مؤقته، وأن إخوانهم أهل الكتاب سوف يكسبون المعركة التي خسروها، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
ثم إنه جاءت وفود مسيحية إلى مكة والمدينة واستمعت إلى الرسول يتلو كتابه فأعلنت إيمانها وقالت: (ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ) (القصص: 53)
والواقع أن الإسلام –بعد انكسار السلطة الرومانية– ورث آسيا الصغرى كلها وشمال إفريقيا كلها، فأضحت شعوب هذه المناطق مسلمة تدفع عن الإسلام وتعلي رايته، وتركت مسيحيتها الأولى راضية مقتنعة. والآية التي ذكرناها تتحدث عن قوم أعلنوا إيمانهم وقالوا: (وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ) (المائدة: 84)
لكن الذي حدث قديما عرض له ما وقفه. ومنذ ألف عام وحروب صليبية طاحنة تُشن على المسلمين وتنتقص أرضهم، وتهز كيانهم هزا.
وما يمكن أن يكون هؤلاء أقرب الناس إلى الذين آمنوا، إن الآيات تصف مشاهد مضت، فهل يجوز أن تتغير المشاهد.؟
ربما لا تزال جماهير في أوربا وأمريكا تبحث عن الحق، وترتاب فيما ورثت، وما يصدها عن الدخول في الإسلام إلا الحال الزًريًة التي عليها المسلمون”.
ومن ذلك أيضا تأريخه لقصة الصراع بين مذاهب المسيحية ذاتها، عند تفسيره لسورة المائدة، حيث قال -رحمه الله-: “وكما أخذ الله الميثاق على اليهود أخذه على النصارى، وإن كان التعبير الوارد في ذلك يدفع إلى التأمل لأنه يشير إلى بعد الشقة بين نصارى العصور الآخرة، وبين عيسى والحواريين أصحاب الدين الحق.
لذلك قال: (وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ) (المائدة: 14).
وتاريخ المسيحية شاهد صدق على هذا الشقاق الدامي بين شتى الكنائس.
ولن تنسى أوربا الحروب الدينية التي ملأت ساحاتها بالدماء، وقد وضعت هذه الحروب أوزارها، إلا أن الكراهية ناشبة في أعماق الصدور يخفيها انشغال الكل بالعلمانية التي أقصت الدين وسيطرت على الدولة.
ونرى أن هذه الهدنة عارضة، وأن الخصام عائد إلى الظهور حتما لأن أسبابه قائمة، وهو ما تؤكده الآية”.
ومن ذلك أيضا، ما أورده في تفسير سورة المؤمنون، عندما رجع إلى التاريخ لإثبات أن النبوات إنما ظهر معظمها في منطقة الشرق الأوسط، وأن معظم أقوام هذه المنطقة رفضوا هدايات الأنبياء وأبوا اتباعهم، حيث قال : “وعادت السورة بالناس إلى الماضي البعيد، تحكي جحود الأوائل لفضل الله وتمردهم على هداياته، وتكذيبهم لرسله، فذكرت نوحا وقومه، وهودا وقومه : (ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ (42) مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ) (المؤمنون : 42 – 44)
الأقوام التي رفضت الإيمان تعيش كثرتها في المنطقة التي يقال لها الآن: الشرق الأوسط”، كان نوح شمالي العراق، وهبط إبراهيم من العراق إلى الحجاز، ومر بمصر والشام، وخرج موسى من وادي النيل يريد الفرار بقومه ومات في التيه، وولد عيسى بفلسطين وزار مصر، وكان صالح وشعيب شمال الجزيرة العربية، وكان هود بالأحقاف في اليمن… إلخ.
ويبدو لنا أن الناس في هذه البلاد كانوا أقرب من غيرهم وعيا لرسالات السماء وحقائق الوحي. فلما جحدوا بها واستيدقنتها أنفسهم مزق القدر شملهم”.






