المسلم يقول هذه الكلمة التي لو وضعت السموات والأرض في كفة من الميزان، ولا إله إلا الله في كفة منه لرجحت بهن لأنها كلمة الحق والعدل والفطرة وهي كلمة التوحيد الخالص (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) كما أنها تمثل عنوان الدين، والطريق الأقرب في دخول دين الله، فهي البداية والنهاية، (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).
ماذا تعنى الكلمة في محتواها القيمي؟
لا إله نفي، ورفض، اي لا معبود بحق، وتعنى بذلك طلب الحرية، بل التحرير من كل الآلهة المزيفة، فهي مكونة من جملتين، نفي واثبات، ثم يعلن المسلم قبوله للإله الحق وهو الله، وبذلك تحرر من جميع المعبودات، فاستسلم للمعبود الحق.
النفي يعنى الرفض، والرفض يعنى إعلان الحرية، ولهذا يحقق المسلم ما يقول به الفقهاء (الأصل براءة الذمة)، والحرية تعنى كذلك الثورة على ما هو غير صحيح عقلا ونقلا، والإثبات يعنى القبول والالتزام، والالتزام يعنى رفض الفوضى، ورفض الفوضى يعنى دخول مرحلة النضج الإنساني، فلا يلتزم إلا من وصل درجة من النضج الأخلاقي.
لقد ارتفع المسلم من مرحلة الحيوانية في هذا الإعلان الصارخ والحقيقي، فأصبح حرا وملتزما، وصار بذلك رافضا للفوضى الفكرية والعبثية الحياتية، والانتماء إلى العدمية، فهو بالكلمة تحرر من لحظة الهوى، وانقاد للحق فصار مؤمنا بالله، ومعتزا بدينه، وموقنا بأن الله هو مصدر الحياة، ومسيّر الكون، وخالق الحياة، بل وواهب الحياة، فهو الإله والرب وصاحب الصفات العلي والأسماء الحسنى، فهو صاحب الجلال والجمال والكمال، وهو صاحب الخلق والحكم والأمر كله، وبيده ملكوت كل شيء.
يحتاج هذا المسلم بعد ذلك إلى مشروع للتحرر والالتزام، فهو في الشق الثاني من الكلمة (محمد رسول الله)، وفى الوحي الأخير (وعود الإسلام) كما قال جارودي الفيلسوف الفرنسي المهتدي، ومبشرات المستقبل كما ذكرت النصوص النبوية، والحل النهائي للمشكلات الكونية كما قال القرآن (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)
فى الكلمة معنى دقيق، الدعوة إلى التحرر من العبودية المختارة وغيرها، والالتزام لصناعة الحضارة المتوازنة، واتباع الشرع، والتحرر من الهوى، والابتعاد عن الخروج من مقتضى الفطرة، فكل ذلك في هذه الكلمة التي لو فهمناها كما ينبغي لتحررنا من عبودية الهوى، ومن عبودية غير الله، فأصبحنا خير أمة في الوجود.
لا يمكن أن نفهم دورنا إلا من خلال هذه الكلمة (قولوا كلمة تملكون بها العرب والعجم)، ونحن نقول اليوم ألف مرة، ولا نملك أنفسنا فضلا عن غيرنا، فالمشكلة ليست في الكلمة، بل في القائل، فهي في واد، والناس في واد، ومراد الله من الكلمة في واد، وحياتنا في هذه الغربة الثانية في واد.
ان هذه الكلمة منهاج حياة، وليست فقط كلمة تقال، أو شعار يرفع، فهي ثورة على الطغيان، ولكن الطغاة فهموا، فأخرجوا من الكلمة محتواها، وبقيت معنا شكلا، فلا نتغير بها، ولا تغيرنا، فتعيش معنا بلا نكهة، يا ليت قومي يفهمون!






