لا يختلف اثنان على أن برنامج “دولة التلاوة” خطوة جيدة في سبيل اكتشاف مواهب قرآنية بعدما جفَّت الأرض وعقمت البطون عن أن تلد قراء في عبقرية الرعيل الأول من قراء الإذاعة ومَن جاءوا بعدهم بإحسان. أسهم في ضبابية المشهد سوء مستوى القراء الإذاعيين الذين تم اعتمادهم في العقود الثلاثة الأخيرة؛ بالشكل الذي زلزل دولة التلاوة المصرية بتاريخها العريق زلزالاً عنيفًا، حتى أصبح العثور على صوت قرآني متفرد من رابع المستحيلات، وتشابهت علينا الأصوات، وإنا إن شاء الله لمهتدون. لذا استبشر الناس خيرًا ببرنامج تليفزيوني (كبير) يهدف إلى إعادة المجد الضائع لدولة التلاوة المصرية؛ لا سيما أن الإنتاج (الباذخ) لا يتوفر عادة إلا للبرامج ذات المحتويات الهابطة والتافهة والمكررة.
ورغم أن دولاً مجاورة سبقتنا في تقديم هذه النوعية المهمة من البرامج إلا إنها تعاملت معها بجدية واهتمام كبيرين، ولم تغفل شيئًا في سبيل خروجها في صورة أقرب للكمال. الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة هو الطريق الأقرب للنجاح. النوايا الطيبة (إن وجدت) والميزانية الكبيرة (وجدت) لا يكفيان بالضرورة لتقديم عمل متكامل بعيدًا عن بروباجندا صارخة ودعاية ممولة أو بالأجر المباشر.
الحلقتان الأوليَان من البرنامج تؤشران إلى ملاحظات وجب تداركها في الحلقات المقبلة، حتى يكتب له النجاح الحقيقي وليس المدفوع، وحتى تتكرر منه نسخ أخرى في قادم المواعيد.
لعل نقطة الضعف الأبرز تتجسد في منصة التحكيم التي يشوبها عوارٌ كبيرٌ، بعيدًا عن الأسماء والأشخاص. جرى العُرف أن يكون مُحكمو المسابقات القرآنية من علماء القراءات (الحقيقيين) وكبار القراء (الحقيقيين) وكبار الموسيقيين (الحقيقيين)، وهو ما لم يتوفر لمنصة التحكيم بالبرنامج، باستثناء وكيل لجنة مراجعة المصحف بالأزهر الشريف الشيخ حسن عبد النبي عراقي. لا يصح أن تتضمن المنصة مطربًا موالديًا متقاعدًا، ولا منتحلاً لدرجة دكتوراه وهمية، ولا قارئًا ليس من الطبقة الأولى من القراء، وكل بضاعته في القراءة (الصوت الحياني)؛ فالمقدمات الخاطئة تقود حتمًا إلى نتائج خاطئة. كثير من تعليقات وتعقيبات المحكمين كان مثيرًا للجدل وفي غير موضعه. في مصر الأزهر علماء وخبراء وأساتذة أجلاء يتم انتدابهم في المسابقات الدولية.
أمَّا بدعة ضيف الشرف؛ أيًا كانت أسبابها..فإن اختياره يجب أن يكون محكومًا بضوابط جادة، كأن يكون من مشاهير الحُفاظ والمقرئين (لاحظ أن هناك فارقًا بين القارئ والمقرئ). أما الاستسهال في استقبال ضيوف مثيرين للجدل والصخب فهذا أمر عجاب. أحدهم قال مندفعًا في الحلقة الثانية إنه يتطلع أن تتكرر مدرسة الشيخ طه إسماعيل في التلاوة (قاصدًا الشيخ مصطفى إسماعيل) في غياب تام للمتابعة والمونتاج (لاحظ أن البرنامج مُسجل)..هذا غيض من فيض!!
هل مذيعة الأخبار المتألقة المتأنقة الأستاذة آية عبد الرحمن هي الاختيار الأنسب لتقديم هذا البرنامج؟ التطبيق العملي يقول: لا؛ بدليل طبيعة أسئلتها الموجهة للمتسابقين أو لأعضاء لجنة التحكيم. أسئلة مكررة وسطحية لا تضيف شيئًا مذكورًا. وهذا يقودنا –بدوره- إلى فريق الإعداد الذي يتحمل مسؤولية جسيمة في نجاح أو فشل أي برنامج. قراءة سريعة لأسماء معدي البرنامج تكشف لك أن معظمهم شق طريقه وصنع شهرته من البرامج الفنية والخفيفة وليس من هذه النوعية من البرامج الجادة. وهذا سوف يتبين جليًا لك عندما قرأت الفنانة الكبيرة إسعاد يونس تقريرًا عن فضيلة القارئ الشيخ محمود خليل الحصري، وركز التقرير على نشأة المصحف المرتل وكيف أنه كان فتحًا مبينًا، تزامنًا مع إذاعة مقطع من تلاوة مجودة!! وهنا يقفز سؤال آخر: لماذا إسعاد يونس في هذا البرنامج؟ ماذا كان يضير مسؤولي البرنامج لو تمت الاستعانة بصوت أحد مذيعي إذاعة القرآن الكريم السابقين أو المعاصرين (د.حسن مدني أو إسماعيل دويدار مثلاً) لقراءة هذه التقارير. أظن أن ذلك كان سوف يضفي حالة من الوقار والجدية واستشعارًا لقيمة المادة المقروءة.
عظيمٌ جدًا أن تتضمن الخريطة الإعلامية (بعد غياب وتغييب كبيرين) برنامجًا هادفًا مثل: “دولة التلاوة”، ولكن الأعظم هو أن تكون النسخة الأولى منه أقرب إلى الكمال؛ حتى تحقق الهدف المنشود منها، بعيدًا عن أية دعاية ممجوجة أو خلط للأمور أو استستهال أو إسناد الأمر إلى غير أهله.







